You are currently browsing the monthly archive for مارس, 2008.
خلال الأسبوع الماضي كنت في رحلة عمل بمدينة طرابلس ، و كنت محظوظا بتوفر بعض الوقت الحر حتى أقضيه في الأماكن التي أحبها في طرابلس – المدينة القديمة . بدأت جولتي من الباب الجديد حيث صعدت السلم الحجري الذي يؤدى إلى طريق الحراسة القديم و الذي يحمى المدينة من الشط الغربي ضد الغزاة في أيامها الغابرة . مشيت على السور و كانت الفتحات التي يقف بقربها المدافعون عن المدينة على يساري و منها يبدو فندق الكورنثيا مذكرا لي بالحاضر .
و قبل أن أصل إلى خزان القبة وجدت سلما ينزل من ناحية اليمين نحو فيما كان يسمى بحارة اليهود و عبرتها باتجاه الحارة الكبيرة و حومة غريان . و توالت المسميات في خاطري من الحارة الكبيرة و الصغيرة و حومة غريان و قوس الصرارعى و كوشة الصفار و قوس المفتى و سوق الحرارة و جامع الناقة و الأربع عرصات و زنقة الدروج و زنقة الكاتب أو زنقة الريح و سينما النصر بسوق الترك حيث رأيت أول فلم سينمائي في حياتي و كان في حفلة صباحية مخصصة للمدارس الابتدائية ، و حمام درغوت و ميدان السيدة مريم ، و زنقة الاسبانيول و زنقة الفرنسيس و زنقة سيدي سالم ، و مخزن الرخام – قوس ماركوس اوروليوس - ، و باب البحر ، و غيرها من الأزقة و الشوارع الضيقة التي كانت يوما ما ممتلئة بحياة دافقة ، و جمعت بين الطرابلسية من عرب و يهود و مالطية و أتراك و رقريق و شركس و بين العرب المهاجرين بسبب الحروب و المجاعات و الجفاف من دواخل البلاد ، من جبل نفوسة و مصراتة و ترهونة و مسلاته و فزان ، و أحفاد العبيد المحررين بعد حظر الرق ، و قد كان هذا الحيز الضيق مساحة يسعهم و يزيد . كانت المدينة يوما ما تزخر و تفيض بالحياة ، و كانت شوارعها و أزقتها الضيقة التي تشبه المتاهات تعج بالحركة و الحيوية ، من أطفال يلعبون كرة الشاش أو التيرة ، و باعة متجولون يصيحون بإعلان ما يبيعون من خضروات أو سمك أو حليب طازج يحلب حالا من المعيز المالطية ، و كذلك باعة آخرون يشترون الأشياء المراد الاستغناء عنها – الروبافيكيا - ، و النساء العربيات في فراشياتهن البيضاء ، و اليهوديات السافرات ، كما تنتشر فيها روائح الطبخ الصادرة من المنازل من قلى ألأسماك و طبخ الحرايمى و الطباهج و الكسكسى غيرها من أكلات طرابلسية لذيذة ، و مختلطة بروائح القهوة و البخور بأصنافه . و بالإضافة للأسواق التي تأتى إليها في الأزقة الضيقة كانت لديها أسواقها العريقة مثل سوق الرباع و سوق اللفة و سوق الذهب و باب الحرية وسوق الحوت من المعالم البارزة للمدينة إضافة إلى قلعتها التليدة: السراي الحمراء ، كما حوت أزقتها الكثير من دكاكين البقالين و بائعي الفحم و الحرفيين من اسكافيين و كواشين و عمال الكير ، و حتى المصانع الأهلية الصغيرة .
أخذت هذه الأزقة التي تشبه المتاهة على الأقل سنتان من عمري و أنا طفل صغير حتى أعرف طريقي فيها إلى كتاب جامع سيدي محمود و إلى مدرسة المدينة القديمة الابتدائية للبنين بباب الحرية ، و إلى شواطئ البحر في فصل الصيف ، و التي تحيط بالمدينة القديمة من ثلاث جهات . طرابلس المدينة القديمة تعبق بزخم رائحة التاريخ ، و تميزت دوما بجوامعها العريقة ، و بمجتمعها المتآلف المرح و الشجاع عند الملمات ، و لا أنسى أن القوة المتحركة كانت تعجز عن اختراق المتاريس التي تنصب في باب الحرية القريبة لتمركز قوات الأمن المدججة بالهراوات و البنادق وراء مبنى وزارة الداخلية أيام القلاقل و المظاهرات الشعبية ، و حتى خضوعها لحضر التجول كان ضعيفا جدا عند إعلانه وقتها . و لكنها الآن تبدو بائسة و حزينة رغم كل محاولات التجديد و التطوير و ذلك لان أهلها هجروها ، و القليل جدا منهم الذي بقى فيها لا تظهر عليه علامات الحيوية و البهجة التي كانت الطابع المميز للطرابلسية في وقت مضى ، أليس المكان بالناس ؟
اخترقت الحارات و وصلت إلى باب البحر و عبرت زنقة الفرنسيس و الأربع عرصات و سوق الترك حيث كانت نهاية رحلتي إلى الماضي في سوق القز دارة – المشغولات المعدنية للنحاس – و برج الساعة ، و كانت رحلة اختلطت فيها الذكريات بالألم …..
في زخم الكشوف الجغرافية الأوروبية الاستعمارية في القرن التاسع عشر و في بداية العقد الثالث منه كلفت البحرية البريطانية الأخوان فريدريك و هنري بيتشى بمسح و استطلاع للساحل الليبي ما بين مدينة طرابلس و انتهاء بحدود درنة الشرقية . و بينما كان الأخوان مع مرافقي رحلتهم يعبرون إحدى وديان الجبل الأخضر قرب مدينة أبولونيا - سوسة الحالية - سمعوا صوتا يشبه الطاحونة - أو الرحى - صادرا من مكان يعلو رؤوسهم ، ثم تبين لهم بعد أن استرقوا السمع صوتا نسائيا ينبثق من على جانب الصخرة ، و بعد إمعان النظر إليها اتضح لهم وجود فتحة عالية و مربعة الشكل بالجبل بها فتاتان جميلتان تنظران إليهم ، و كان ارتفاع تلك الفتحة عن الأرض ما يقارب المائة و الخمسون قدما ، و لا يمكن بلوغها لا من الأسفل و لا من الأعلى و لا من أي اتجاه كان .
و قد لاحظوا أثناء مرورهم من قورينا - شحات - إلى أبولونيا العديد من تلك الحجرات المنحوتة في الصخر كتلك التي تقطنها الفتاتان و على ارتفاع عدة مئات من الأقدام ، و في أماكن تبدو مستحيلة الوصول إليها ، و تبين لهم أنها مساكن فعلية لعائلات بكاملها ، تهبط و تصعد إليها عن طريق استعمال الحبال ، و سماها فيما بعد بالمقرات الجوية ، و عرفت بالكهوف المعلقة أو المعلقات و الاوشاز . و قد ذكر الرحالان بأنهما تحدثا مع بعض سكان هذه الكهوف المعلقة ، و أبديا رغبتهما في زيارة سكنهم ، و لكنهم قوبلوا بعدم الاكثرات و اللامبالاة ، مما جعلا الرحالان يكتفيان بهذه التحية
Aerial Abodes
و بعد ما يقارب النصف قرن فيما بعد مر الرحالة الالمانى الشهير غيرها رد رولفس بوادي الكوف القريب من مدينة البيضا بالجبل الأخضر و كان انطباعه عن رؤية المكان كما يلي .. اقتباس … ” وادي الكوف هو الأكثر وحشة و رومانسية مما يمكن تصوره . أنه منحدر و في الغالب شاقولى الانحدار ذو جدران جيرية يبلغ ارتفاعها حوالي خمسمائة قدم ، و في كل مكان منه كهوف هائلة تقوم في الغالب أما في أقدام الجدران أو الوسط أو الطرف الأعلى منه ، وكل ذلك يجعل المرء يظن بأنه في شعب الشيطان . و على كل حال فقد كانت غالبية هذه الكهوف مسكونة ، و سيتم سكن البعض الأخر أثناء موسم العسل ، لان النحل يبنى خلاياه على هذه الجدران . و كثير من هذه الكهوف يعلو مائة قدم عن أرض الوادي و هي مرتبطة مع بعضها بممرات خارجية . و يبدو أنها كانت تستخدم منازل لقبائل كاملة ، و هنا توجد أروع المغاير ذات الصواعد و النوازل .” انتهى الاقتباس
و بعد ذلك التاريخ بقرن و بضع سنين ، استرعت هذه الكهوف المعلقة للأجداد انتباه داوود حلاق ، أبن الجبل الأخضر الأصيل ، و الذي رأى الكثير من الكهوف الجهنمية و التي تخشاها كواسر الطير نفسها ، فحمل أدواته و آلات تصويره و برفقته مجموعة من المتطوعين الشجعان من شباب الجبل الأخضر ، و عزم معهم على كشف أسرار هذه الكهوف . قضى داوود حلاق ثلاث سنوات في النصف الثاني من ثمانيات القرن السابق في استطلاع كهوف الجبل الأخضر المعلقة ، و كشف عن أكثر من تسعين كهفا ، و في نفس الوقت حاول أن يجد أي لقي أو أثار لهولاء الناس الذين سكنوا أوكار النسور و معرفة أسباب عملهم هذا . قام داوود و رفاقه بهذا المجهود بدون دعم رسمي – فيما عدا بعض المساعدة من السلاح الجوى بقاعدة الابرق - ، و كان من اكتشافاتهم تحديد المقرات الدينية للمسيحيين الأوائل مثل صرح مرقص الشهير في وادي الإنجيل برأس الهلال .
سكن الإنسان خلال تاريخه الطويل الكهوف ، و لعله مازال يسكن حتى ألان في مناطق نائية كالصين و أمريكا الشمالية ، و حتى في فلسطين . بينما تتميز مناطق عدة في شمال إفريقيا في المغرب و الجزائر بوجود مجتمعات سكنت الكهوف. كما حفر سكان الجبل الغربي في غريان ، و مثلهم سكان مطماطة بتونس مساكنهم بباطن الأرض ، و قد يرجع السبب في ذلك لندرة الحصول على الخشب كمادة للبناء ، و صعوبة تعويض أشجار الزيتون إن قطعت و استعملت في العمارة ، و هي ظروف قاهرة أجبرتهم على التراجع للماضي السحيق .
مسكن محفور تحت الارض و مهجور فى تغرنة بغريان
و لكن سكان كهوف الجبل الأخضرهؤلاء دفعهم دافع شديد لمجاورة النسور في لجوءهم لكهوف عالية لا بد من التسلق بالحبال للوصول إليها و النزول منها . و لعل تغير العالم بعد سقوط بغداد على أيدي المغول ، و الحروب الصليبية ، و انتهاء الخلافة الإسلامية ، و انعدام الأمن بسبب عدم وجود حكم مركزي قوى ، و تفشى المجاعات و الأوبئة بسبب سنوات الجفاف و الكوارث الطبيعية مثل الزلازل ، و الحروب في عصور سحيقة قد اضطرت هؤلاء الناس لمجاورة النسور ، و أستمر هذا لفترة عدة قرون ، و أرجح داود حلاق أن يكون هذا قد حدث ابتداء من نهاية القرن الثاني عشر و حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي . و قد وصف الرحالة و المؤرخون العرب برقة ، من ابن الأثير و التيجانى و أبو الحسن الوزان المعروف بليون الافريقى و العياشى ، بأنها كانت أرض قاحلة تعرضت لكوارث طبيعية و مجاعات رهيبة و أوبئة مثل الطاعون و ساعد مجي بني هلال عبر مصر إليها على انتشار الخراب و الفساد في البلاد . و هكذا اضطر هؤلاء الأجداد السكن قرب أوكار النسور و تزاوجوا و أنجبوا أطفالا ترعرعوا و عاشوا بدورهم في هذه الكهوف المعلقة ، و زاولوا بعض أعمال الزراعة و تربية الحيوان ، و قايضوا منتجاتهم فيما بينهم . و تكون نتيجة لذلك مجتمع مغلق لا يثق بأحد و هو في وضع دفاعي دوما ، و يكتفي بإشباع حاجاته الأساسية فقط للحياة ، و يرى الخطر في كل ما هو غريب .
كتب داوود حلاق أربعة كتب لخص فيها مجهوده و رفاقه في تسليط الضوء على هاته الكهوف التي سكنها الأجداد ، و هي الاتى ذكرها :
1 - أوشاز الأسلاف : دراسة موجزة عن الكهوف المعلقة بالجبل الأخضر .
2 - مرقص الانجيلى : دراسة موجزة عن سيرته و كفاحه ضد الرومان و مقراته بالجبل الأخضر .
3 - الفكر الحرفي - ج 1 / ج 2 : دراسة وصفية للجانب التقني في أدوات سكان الكهوف .
كان يوم أمس يوما ربيعيا رائعا و بديعا . و خرج معظم أهالي مدينة بنغازي ، لملاقاة الربيع و للتمتع بهذا الطقس الغير اعتيادي و هم المتعودون عادة على العجاج و القبلي و موجات الحر الرهيبة . خرجوا إلى المناطق الخضراء المحيطة بالمدينة مثل القوا رشة و طريق العقورية ، و كثير منهم ذهبوا لمرتفعات الرجمة و غوط السلطان ، و البعض ذهب أبعد من ذلك إلى طريق تاكنس / سلنطة ، و اقل من ذلك ذهبوا إلى الجبل الأخضر و حتى وادي الكوف و شحات .
شيراك كان هنا …
كنت متفقا مع صديق لي مع عائلتينا للذهاب للجبل الأخضر معا هذا اليوم ، و أستقر اتفاقنا في النهاية على الذهاب لقصر ليبيا الذي يبعد حوالي المائتى كلم شرقا من بنغازي في الجبل الأخضر لزيارة المتحف الموجود في القلعة التركية هناك و الذي يحوى بدوره فسيفساء رائعة من العصر البيزنطي ، وبعد ذلك نختار مكانا نزرد فيه . و زرنا المتحف و التقينا مع الشاب المخلص لعمله عمران من الشرطة السياحية و الذي رافقنا خلال الزيارة و أجاب عن أسئلتنا و كله أدب و ذوق ، و أحب أن أقول أن هذا المكان كان من أحسن الأماكن السياحية إلى زرتها في ليبيا نظافة و عناية .
أكملنا زيارة المتحف – القلعة و بعدها اتجهنا شمالا ، حيث كان هناك طريق زراعي جيد يتجه حتى شاطئ البحر ، و انتهى بنا المطاف قبل البحر في منطقة تدعى باسم – جرجرامه – حيث زردنا و تغذينا و تمتعنا بمناظر الطبيعة ، و تذكرنا قول الشاعر … أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا .. من الحسن حتى كاد أن يتكلما، و استنشقنا من الهواء النقي ما نرجو أن يكون كافيا لنا لعدة أيام ، و في النهاية رجعنا للطريق و الزحمة و بنغازي ، و من زحمة الراجعين إلى بنغازي و طريقة بعضهم في قيادة السيارات لا يسعني إلا أن أتمنى سلامة الوصول لكل الزاردين .
عندما توفت أم فرونيما ابنة أيتاركوس ملك مدينة أوكسوس بجزيرة كريت الإغريقية ، تزوج أبوها من امرأة أخرى. و كما يحدث عادة فأن زوجة أبيها كرهتها و أذاقتها كل صنوف الإذلال و الاهانات ، و فى النهاية و كوسيلة للتخلص منها ، فأنها اتهمتها بعدم العفة و أقنعت أباها بسلوكها المشين .
و حدث أن كان التاجر الاغريقى تيميسيون من جزيرة ثيرا فى ضيافة الملك ، و بينما كان يوما يتغذى معه ، حمله الملك على القسم بأن يؤدى له خدمة سيطلبها منه . و حين أوثقه بالقسم طلب منه أن يأخذ معه ابنته و يحملها فى سفينته ثم يغرقها فى البحر . غضب التاجر من خدعة الملك الذي انتزع منه القسم قبل أن يعرف نوع الخدمة المطلوبة ، فقطع علاقته مع اتياركوس ، و نشر قلاع سفينته و أبحر مع الفتاة المغضوب عليها . و لما أصبح فى عرض البحر أراد أن يبر بما أقسم به فأوثق الفتاة بالحبال ثم قذف بها الى مياه البحر حتى توارت عن الأنظار ثم انتشلها إليه ، و هكذا بر بقسمه و أنقذها من الموت فى نفس الوقت ، و اصطحبها معه الى جزيرة ثيرا .
هكذا يروى هيرودوت فى كتابه الرابع ابتداء من الفصل الرابع و الخمسون بعد المائة بداية قصة مجي المستوطنين الإغريق الى شرق ليبيا حسب الروايات القورينية و الثيرانية . فى ثيرا اتخذ بوليمونستوس و هو مواطن ذو نفوذ من فرونيما خليلة له ، و رزق منها فيما بعد بولد أسمه أريسطيوس ، و تقول الرواية بأنه كان يعانى من صعوبة فى النطق أي عييا ، و لذا لقب باسم باطوس الذي يعنى فى الإغريقية العيي أو الو كواك .
و تروى القصة كيف تتالت نكبات على سكان جزيرة ثيرا - فد تكون نكبات اقتصادية أو قلاقل سياسية ، مما جعل ملك ثيرا يذهب لاستشارة كاهنة الوحي فى دلفي . و هناك أشارت الكاهنة على الملك بأنه حسب الوحي فأن عليه إطاعة أمر أبوللو الذي يوفده لإنشاء مدينة فى ليبيا ، مرعى القطعان الخصيب . و تكررت الاستشارة و تكرر رد الوحي بأنهم سيجدون منجاة من المصائب التي حلت بهم متى قاموا مع باطوس ، الذي كان رئيس الوفد في هذه المرة ، بإنشاء مدينة قورينا فى ليبيا .
و هكذا أرسل الثيريون باطوس مع سفينتين من ذوات الخمسين مجدافا الى البحر ، و عندما رجعوا مترددين الى ثيرا ، طردوا و لم يسمح لهم بالنزول على الأرض ، و هكذا انتهى بهم الأمر بالإقامة فى جزيرة صغيرة قرب الساحل الليبي كانت تسمى بلاتيا . و لان هذه الجزيرة لا تتناسب مع خصوبة الأرض الموعودة حسب النبوءة رجعوا مرة ثالثة لاستشارة كاهنة المعبد فى دلفي التي أشارت عليهم بالتوغل فى الأرض الليبية حيث مرعى القطعان الخصيب الذي ينتظرهم .
عاد باطوس و جماعته الى ليبيا و استقروا فى منطقة تواجه الجزيرة تسمى أزيروس حيث كانت تحيط بها مرتفعات جميلة غنية بغاباتها و فى جانب منها يوجد نهر غير بعيد من ذات المكان ، لعلها فى خليج بمبا و غير بعيد من مدينة درنة الحالية .
و فى هذا المكان يروى هيرودوت أنهم استقروا ستة أعوام و فى العام السابع أرشدهم الليبيون نحو الغرب ، و قادوهم ليلا و هم معصوبي الأعين ، الى منطقة تسمى ايراسا - القبة الحالية قرب مدينة البيضا - ، و فى النهاية الى حيث يوجد نبع ماء مقدس ، و قالوا لهم : “يا رجال اليونان: هنا يجدر بكم الاستقرار إذ أن السماء هنا بها ثقب” .
هنا استقر اليونانيون و تزاوجوا مع الليبيين و بنوا قورينا فى سنة 630 قبل الميلاد ، و جاء مهاجرون آخرون من ثيرا ، و أصبح باطوس أول ملوك قورينا ، و حكم من سلالته سبع ملوك آخرون لمدة مأتى سنة .
قلت أن كلمة باطوس تعنى بالاغريقية الشخص العيي ، أما باللغة الليبية السائدة فى ذلك الوقت فكانت تعنى الملك . فهل كان عييا كما قيل ، أو أن كاهنة الوحي قد دعته - حسب رواية أخرى - بكلمة باطوس بالمعنى الليبي أي يا ملك ، لأنها كانت تعرف أنه كان سيصبح ملكا ذات يوم فى ليبيا؟
كتب هيرودوت تاريخه بعد مرور أكثر من قرن و نصف القرن على استيطان الإغريق لليبيا ، و الرواية السابقة هي التي نقلها عن سكان قورينا لقصة مؤسس مدينتهم الذي تكونت عنه نظرة تقديسية ، و تتداخلت فيه الحقيقة مع الأسطورة بفعل التبجيل و التقديس مثلما تتداخل عادة عند كتابة قصص الملوك .
لوحة بريشة الدكتور الوافى تمثل الحورية الاسطورية قورينى و هى تقتل أسدا
“قاد أرسطاطاليس سفنه السريعة شاقا طريقه وسط اليم العميق و هنا أنشأ المعابد الكبرى للآلهة ، و حفر طريقا مستقيما تحدث صوتا تحث سنابك الجياد ، جملها بالأشجار الباسقة لتسير فيها جحافل المرتلين لصلوات فيبوس. و ألان يرقد باطوس فى قبره منزويا فيا له من محظوظ بين الرجال حيا و هو من بعد موته يعد بطلا يقدسه الشعب .”
من قصيدة بنداروس الخامسة .
مراجع
الإغريق في برقة
الأسطورة و التاريخ
فرنسوا شامو
ترجمة الدكتور محمد الوافي
قورينة و برقة
نشأة المدينتين في التاريخ
محمد مصطفى بازامة
هذه القصة رواها لي صديق من طرابلس ، و للقراء الكرام مطلق الحرية في تصديقها من عدمه ، فالحقيقة هنا ككل شي مسألة نسبية .
حدثني صديقي فقال : كان ذلك اليوم من أواخر أيام فصل الربيع حيث يكون الجو صحوا و دافئا و يبشر ببداية موسم نضج الفواكه المتنوعة التي تمتاز بها منطقة مثلث طرابلس . و قد تعودت في أيام كهذه أن أقود سيارتي في الطرق التي تخترق المزارع المحيطة بمدينة طرابلس و المنطقة الخضراء الممتدة من الزهراء و حتى القره بوللى متمتعا بالطبيعة الرائعة و المناظر الجميلة التي تزخر بها، و في بعض الأحيان أشترى ما يعجبني من الخضروات و الفواكه الطازجة من مصدرها . و في عصر ذلك اليوم كنت أسوق سيارتي في الطريق الرابط ما بين طريق طرابلس – السوانى ، و طريق مطار طرابلس الدولي – المدينة ، عندما جذب انتباهي رجل كان يقود سيارته بطريقة خطرة ، بل وكان يبدوا متأثرا من شي ما حيث كان يتحدث مع نفسه و يشاور بيده كأنه يشرح أمرا خطرا و غامضا لأحد غير منظور معه . سبقني الرجل بسيارته و سقت وراءه محافظا على مسافة أمنة بيننا ، و بعد حين وقف بسيارته فجأة على حافة الطريق ، و ترجل من السيارة حاملا معه حبلا بيده ، و جرى نحو الأشجار المنتشرة بالمزرعة قرب الطريق . استغربت الأمر و توقفت على بعد مسافة معقولة من سيارته ، و ترجلت من سيارتي و وقفت بجانبها و أنا أتابع حركات الرجل . رأيت الرجل يجرى كما قلت و بيده الحبل حتى وصل لأقرب شجرة زيتون ضخمة ، و بدأ في تسلقها . أمتطى الرجل غصنا ضخما و بدأ في ربط نهاية الحبل على الغصن . اندهشت و نظرت غير مصدق عيناي ما أراه ، و لكن الصدمة لم توقفني عن ردة الفعل المنطقية المطلوبة ، فالرجل يبدو كأنه يريد شنق نفسه مما جعلني أجرى نحوه بأقصى سرعة مناديا إياه ، و لا أدرى حتى وجدت نفسي تحت الشجرة الجالس فوق غصنها ، و وجدته قد انتهى من ربط الحبل بالغصن الجالس فوقه و في طريقه لربط العقدة بالنهاية الأخرى للحبل و التي يبدو أنه يعزم لوضعها برقبته . وصلت للشجرة و أنا أصيح و أهتف به مناشدا إياه أن يستغفر الله و ألا يستمر فيما هو عازم على عمله . و بسملت و حوقلت ، و استغفرت الله كثيرا ، و أنا مستمر في مناداته من تحت الشجرة ، و نظر إلى الرجل من مكانه ، و بدا كأنه نائم ، أو كأنه ليس في كامل وعيه . قرأت سورة الإخلاص ، و أية الكرسي ، و ناشدته بكل عزيز و غالى عنده أن يتوقف عما يفعله ، و أن ينزل من الشجرة . و عندما وجدته مترددا لا يعرف عما يريد عمله بدأت في تسلق الشجرة حتى وصلت لمكانه على الغصن ، و هززته بشدة و أنا أصيح به أن يستغفر الله و أن ينزل معي إلى تحت الشجرة . بدا الرجل لي كأنه نصف نائم ، و نظر إلى بذهول و بعيون زائغة ، و لكنه لم يمانع محاولتي لإنزاله من مكانه . و هكذا رميت الحبل من يده ، و ساعدته على النزول إلى تحت ، و أجلسته على الأرض متكئا على الشجرة ، و أحببت أن أعرف قصته و عما إذا ما كان استطاعتي مساعدته بطريقة ما .
بدأ الرجل يعود تدريجيا لطبيعته ، و تلفت حواليه كما يحدث للماشي في نومه عندما يستيقظ ، و نظر لي باستغراب و اندهاش . شرحت للرجل عما كان ينوى عمله و كيف تصادف وجودي قربه ، و رجوته أن يحكى لي عن قصته لعلى أستطيع مساعدته . أستغفر الرجل ربه عدة مرات حتى ظننت أنني لن أفوز منه بأية معلومة ، و لكنه بعد حين نظر لي و قال :الحقيقة كل ما أتذكره هو أنني كنت جالسا في دكاني عندما جائنى رجل طويل مهيب و بيده حبل ، و قال لي بكل ثقة : ألا تعرف أن الناس كلهم شنقوا أنفسهم ، و أن الحبل الباقي الوحيد هو الذي بيدي ، و قد وددتك به فهاك خذه و اذهب اشنق نفسك قبل أن يفوت الوقت .
نظر الرجل إلى من جديد ثم قال : هذا كل ما أتذكره حتى رأيتك أمامي تحت الشجرة ، فسبحان الله و لا حول و لا قوة إلا بالله .
I smell the sea
That beautiful
Sea smell
Is so fresh
I see the sunset
In the sky
The sky
Is beautiful
And the birds
Are flying in the sky

































أحدث التعليقات