هذه القصة رواها لي صديق من طرابلس ، و للقراء الكرام مطلق الحرية في تصديقها من عدمه ، فالحقيقة هنا ككل شي مسألة نسبية .
حدثني صديقي فقال : كان ذلك اليوم من أواخر أيام فصل الربيع حيث يكون الجو صحوا و دافئا و يبشر ببداية موسم نضج الفواكه المتنوعة التي تمتاز بها منطقة مثلث طرابلس . و قد تعودت في أيام كهذه أن أقود سيارتي في الطرق التي تخترق المزارع المحيطة بمدينة طرابلس و المنطقة الخضراء الممتدة من الزهراء و حتى القره بوللى متمتعا بالطبيعة الرائعة و المناظر الجميلة التي تزخر بها، و في بعض الأحيان أشترى ما يعجبني من الخضروات و الفواكه الطازجة من مصدرها . و في عصر ذلك اليوم كنت أسوق سيارتي في الطريق الرابط ما بين طريق طرابلس – السوانى ، و طريق مطار طرابلس الدولي – المدينة ، عندما جذب انتباهي رجل كان يقود سيارته بطريقة خطرة ، بل وكان يبدوا متأثرا من شي ما حيث كان يتحدث مع نفسه و يشاور بيده كأنه يشرح أمرا خطرا و غامضا لأحد غير منظور معه . سبقني الرجل بسيارته و سقت وراءه محافظا على مسافة أمنة بيننا ، و بعد حين وقف بسيارته فجأة على حافة الطريق ، و ترجل من السيارة حاملا معه حبلا بيده ، و جرى نحو الأشجار المنتشرة بالمزرعة قرب الطريق . استغربت الأمر و توقفت على بعد مسافة معقولة من سيارته ، و ترجلت من سيارتي و وقفت بجانبها و أنا أتابع حركات الرجل . رأيت الرجل يجرى كما قلت و بيده الحبل حتى وصل لأقرب شجرة زيتون ضخمة ، و بدأ في تسلقها . أمتطى الرجل غصنا ضخما و بدأ في ربط نهاية الحبل على الغصن . اندهشت و نظرت غير مصدق عيناي ما أراه ، و لكن الصدمة لم توقفني عن ردة الفعل المنطقية المطلوبة ، فالرجل يبدو كأنه يريد شنق نفسه مما جعلني أجرى نحوه بأقصى سرعة مناديا إياه ، و لا أدرى حتى وجدت نفسي تحت الشجرة الجالس فوق غصنها ، و وجدته قد انتهى من ربط الحبل بالغصن الجالس فوقه و في طريقه لربط العقدة بالنهاية الأخرى للحبل و التي يبدو أنه يعزم لوضعها برقبته . وصلت للشجرة و أنا أصيح و أهتف به مناشدا إياه أن يستغفر الله و ألا يستمر فيما هو عازم على عمله . و بسملت و حوقلت ، و استغفرت الله كثيرا ، و أنا مستمر في مناداته من تحت الشجرة ، و نظر إلى الرجل من مكانه ، و بدا كأنه نائم ، أو كأنه ليس في كامل وعيه . قرأت سورة الإخلاص ، و أية الكرسي ، و ناشدته بكل عزيز و غالى عنده أن يتوقف عما يفعله ، و أن ينزل من الشجرة . و عندما وجدته مترددا لا يعرف عما يريد عمله بدأت في تسلق الشجرة حتى وصلت لمكانه على الغصن ، و هززته بشدة و أنا أصيح به أن يستغفر الله و أن ينزل معي إلى تحت الشجرة . بدا الرجل لي كأنه نصف نائم ، و نظر إلى بذهول و بعيون زائغة ، و لكنه لم يمانع محاولتي لإنزاله من مكانه . و هكذا رميت الحبل من يده ، و ساعدته على النزول إلى تحت ، و أجلسته على الأرض متكئا على الشجرة ، و أحببت أن أعرف قصته و عما إذا ما كان استطاعتي مساعدته بطريقة ما .
بدأ الرجل يعود تدريجيا لطبيعته ، و تلفت حواليه كما يحدث للماشي في نومه عندما يستيقظ ، و نظر لي باستغراب و اندهاش . شرحت للرجل عما كان ينوى عمله و كيف تصادف وجودي قربه ، و رجوته أن يحكى لي عن قصته لعلى أستطيع مساعدته . أستغفر الرجل ربه عدة مرات حتى ظننت أنني لن أفوز منه بأية معلومة ، و لكنه بعد حين نظر لي و قال :الحقيقة كل ما أتذكره هو أنني كنت جالسا في دكاني عندما جائنى رجل طويل مهيب و بيده حبل ، و قال لي بكل ثقة : ألا تعرف أن الناس كلهم شنقوا أنفسهم ، و أن الحبل الباقي الوحيد هو الذي بيدي ، و قد وددتك به فهاك خذه و اذهب اشنق نفسك قبل أن يفوت الوقت .
نظر الرجل إلى من جديد ثم قال : هذا كل ما أتذكره حتى رأيتك أمامي تحت الشجرة ، فسبحان الله و لا حول و لا قوة إلا بالله .
2 comments
Comments feed for this article
مارس 17, 2008 في 9:34 ص
besheshentra
قصة جميلة للغاية و فى غاية التشويق , لها كثير من الابعاد , شكرا لك و ارجو االستمرار فى امتاعنا بهكدا قصص,
الا يجعل ها المرء يتسائل , ان حقا انتهت الحبال الا يفكر المرء بابقاء حبل عند الحاجة ؟
أبريل 9, 2008 في 12:43 م
Gheriani
شكرا لك ، و أرجو أن أرى محاولة لك فى كتابة القصة قريبا انشاءالله …