منير ولد في مدينة يافا بفلسطين قبل كارثة النكبة و قيام دولة إسرائيل بوقت قليل . هاجر أبو منير و بقية عائلته مثل الكثير من الفلسطينيين بفعل الإرهاب الصهيوني ، و تطمين الجيوش العربية لهم بأنهم سيرجعون لديارهم حالما تنتهي هذه الجيوش الباسلة من إتمام المهمة و القضاء على شذاذ الأفاق الصهاينة . استقر أبو منير و عائلته الصغيرة المتكونة منه و زوجته و ثلاثة أطفال بالقاهرة و بسبب معرفته للغة الانجليزية تحصل على عمل بمكتب شركة الخطوط الجوية البريطانية الاقليمى بالقاهرة . ضاعت فلسطين و تبقى للعرب الفلسطينيين أقل رقعة من الأرض التي أقرتها الأمم المتحدة بقرار التقسيم لهم ، و حدث أن ضم الأردن الجزء الملاصق له و هو ما يسمى الآن بالضفة الغربية ، و ضمت مصر قطاع غزة تحت إدارة مصرية ، و بقيا بهذا الوضع على أمل استرجاع الوطن السليب بالكامل .
وجد أبو منير نفسه لاجئا بالقاهرة ، و عندما عرض عليه مدير مكتب الخطوط الجوية البريطانية التوجه إلى طرابلس بليبيا ، الواقعة عند ذلك الوقت تحت الإدارة البريطانية ، للعمل بالمكتب الجديد للخطوط البريطانية المنوي فتحه هناك وافق بلا تردد ، فالرجل أصبح بلا وطن و كل أوطان العرب لديه سواء .
جاءت عائلة أبو منير إلى طرابلس و سكنت المدينة القديمة حيث نشأ منير و أخوته ككل الأطفال الليبيين الذين حوتهم حاراتها و أزقتها و دهاليزها . عرف منير كتاب جامع سيدي محمود ، و سيدي الحطاب ، و دكان بو شرنته في حومة غريان ، و سبح مع أطفال المدينة القديمة في الترسانة و البياضة و العين الزرقاء . درس منير في مدرسة المدينة القديمة الابتدائية للبنين ، و مدرستي طرابلس الإعدادية و الثانوية . نسيت أن أذكر بأن العائلة الصغيرة التي وصلت لطرابلس متكونة من خمسة أفراد أصبحت مع مرور الوقت تتكون من سبعة أفراد ، نشأوا كلهم كأي أطفال آخرين حوتهم أزقة المدينة القديمة في ذلك الزمان . أهتم أبو منير بأن يتحصل أبناءه و بناته على تعليم تخصصي عالي ، و لذا أصبح كل أولاده مهندسين و تخرجت أبنتاه من كلية الطب .
عمل منير بعد تخرجه في ليبيا و تزوج فيما بعد من سيدة ايرلندية ، رزق منها بولدين ، أصبح أحدهما طيارا و الأخر خبيرا في الترفيه الرياضي . من ناحية أخرى و بعد أن شمل الله برحمته والدا منير انتشرت عائلة منير ما بين طرابلس و سويسرا و الولايات المتحدة و ايرلندا و استراليا .
عرفت منير منذ زمن يقارب العمر و بدأت معرفتي به بعد الدراسة وعن طريق العمل في مناطق نائية بالصحراء الليبية و بعيدة عن العمران ، و حيث يقال بأن الفرد تصهره الشمس و يظهر معدنه الحقيقي . و قد تعرفت فيه على شخص ظريف و حساس و ذا نكته ، و يحب القراءة و النقاش مثلى . كنا في عمر تتحكم فيه المثالية و يحلو فيه النقاش و الجدال و تصورنا بأن مصير الكون يعتمد على أعمالنا و تصرفاتنا و على أننا قادرون على تغييره ، و في نفس الوقت كانت اهتماماتنا و أرائنا السياسية و الاجتماعية متقاربة فقد كنا نتاج نفس الأمكنة و الأوقات ، و بينما كان هو من عائلة مهاجرة من فلسطين إلى طرابلس ، كانت عائلتي مهاجرة أيضا و لكن من أرياف و بادية ليبيا إلى طرابلس .
استمرت علاقتنا بعد أن تزوج كلانا و رزقنا بأطفال ، و بسبب العمل مرة أخرى جمعتنا مدينة بنغازي في أحضانها ، و نشأ أطفالنا في محيط حاولنا أن نوفر فيه لهم ما كنا محرومين منه ، و شاركناهم في اهتماماتهم و هواياتهم ، و نظمنا لهم معسكرات مبيت ليلى على شاطئ البحر في فصل الصيف ، و رحلات منتظمة إلى الجبل الأخضر في فصل الشتاء . و أخيرا جاء وقت كما يحدث في حال الدنيا فقد كبر الأطفال و لم يعودوا أطفالا ، و هاجر من هاجر في سبيل العلم أو العمل ، و تزوج آخرون ، و جاء وقت للكبار لمراجعة أوراقهم و ملفاتهم . و رغم ذلك فقد استمرت صداقتي بمنير رغم البعد و عدم انتظام الاتصال .
عندما أفكر في منير الآن و هو يعيش في ايرلندا ، و أحد أولاده يعيش في استراليا ، و أخته تعيش في الولايات المتحدة ، و الأخرى تعيش في طرابلس ، و أحدى بناتها تعيش في سويسرا ، و أخواه يعيشان في طرابلس ، عندما أفكر في ذلك يبدو لي أنني بدأت أتصور معنى كلمة الشتات ، و لكنني أحاول قدر جهدي أن أفهم كيف يا ترى يفكر منير في معنى الوطن ؟ الوطن ، كجغرافيا ، كأرض نقف عليها ، كأرض نستطيع أن نتركها باختيارنا و العودة إليها متى نريد ؟ هل يفكر منير في العالم كوطن له ، هذا سيكون رائعا ، و لكنه بشر ، و يحتاج إلى نقطة ارتكاز في مكان ما ، كلنا نحتاج إلى نقطة الصفر التي يبدأ منها الانطلاق ، و هنا أتصور أن منير ليبي الشعور فهو تربى في ذات الأزقة و الحارات التي تربيت فيها ، و عرف مذاق البازين و الكسكسى و الحرايمى ، كما عرف حلويات الغريبة و المقروض ، و سبق له أن شارك مع أطفال زنقة كفالة في تحضير الشرمولة . منير فيما بعد سافر و رأى العالم شرقا و غربا ، و عاش حياته بلحظات سعادتها و شقاءها ، و تقبل كل ما جاءه بصدر رحب ، و حمد الله و شكره على أن نصيب أبناءه أفضل من نصيب من سبقهم ، و لكن ألا يفكر أحيانا في أنه محروم من وطن ، كأرض ، كرقعة في الجغرافيا ؟ و لكن ما هو الوطن ؟ هنا تهاجمني الأفكار و أشعر بفقدان التوازن و تتراءى لي أسئلة كثيرة لا أدرى كيفية الإجابة عليها ، نعم ما هو الوطن ؟ و ما هي المواطنة ؟ نظريا المواطنة أخذ و عطاء ، فهل يسبق العطاء الأخذ أم العكس ؟ أجدادنا عندما حاربوا الطليان لم يأخذوا شيئا حتى بعد العطاء ، فهل يغفر للمواطنين البدء في الأخذ قبل العطاء؟











4 comments
Comments feed for this article
مايو 10, 2008 في 6:41 م
BENGHAZI CITIZEN
I READ ONCE THAT: HOME IS THE PLACE WHERE YOU GREW UP ,HOME IS WHERE YOU SHED A TEAR ,YOU FELL IN LOVE ,YOU FOUGHT WITH YOUR BEST FRIEND FOR THE FIRST TIME..
IN MY OPINION ,HOME IS THE PLACE YOU HATE EVERY THING ABOUT IT SIMPLY BECAUSE YOU WANT IT TO BE THE BEST IN EVERY THING..
HOME IS THE PLACE WE CAN’T WAIT TO LEAVE ,BUT WE CAN’T STAY AWAY FROM..
REGARDS
مايو 10, 2008 في 8:41 م
Gheriani
Yes, that’s well said my friend
مايو 10, 2008 في 11:05 م
hibo
تساؤلات يقضه و محاور جميلة
كل عربي يبحث عن حياة هانئبة علي أرضه او علي أرض أخري..
فمبالك بعربي فلسطيني يعاني أهل بلاده من إستعباد اليهود لهم و سيطرتهم و سواد قلوبهم..
أحيانا ينتابني سؤال ..؟
سؤال غريب
..
سأقوله باللهجة الليبية..
هما مافيهمش خير في بعضهم فهل سيتوقعوا خير من المتحليين
هل يتوقعوا خير من الشعوب العربية
يعني بلادك بلادك مهما صار …ومهما داستها من أقدام مخربه ولكنها بلادك
ماينفعش الانسان الا بلاده سواء تعرض لنكبه أو لم يتعرض..
اسفة بس كلماتي مشوشه كأي موجز أخبار يتابع حياة العالم العربي هذه الأيام
تحياتي
مايو 11, 2008 في 12:09 ص
Gheriani
تحياتى هبة .., أنا أشهد أن الشخص موضوع القصة ليبى الشعور و الولاء ، و هنا سبب ما أثرته من تسأول . بالنسبة لمنير تبقى فلسطين كوطن ، كفكرة أورثها حتى لابناءه بقوة ، و لكنى من ناحية أخرى أرى أنه ليس هناك ارتباط موضوعى و فيزيائى ما بينه هو و الاولاد و ما بين هذه الفكرة . و بالنسبة لنا كلنا كعرب تبقى فلسطين موضوع أو جزء من فكرة وطن كبير ورثناه بالتاريخ و الجغرافيا ضاع و يجب علينا استرداده ، و لكنها فى النهاية فهى فكرة طوباوية ، لاتخضع لمنطق القوى الحاكمة فى العالم من سياسة و غيرها ، و لن نشعر بصراحة بالتزام واقعى بالاسترداد طالما نحن غير ذى علاقة عملية مباشرة بالارض. أما قولك بأن بلادك بلادك مهما صار و ما ينفعش الانسان الا بلاده ، فلا أوافقك فهى هذا الرأى ، فهى أيضا فكرة مثالية لا تعيش على أرض الواقع. فأن الارض لله و هو الوحيد من يرثها و من عليها ، أما نحن فقد نكون هنا اليوم و غدا هناك ، و هذا يخضع لمنطق الحياة التى جرى عليها الاقدمون عندما كان أجدادنا فى البادية يتنقلون من مكان الى اخر بحثا عن الكلاء و المرعى . أما قولك بأنهم ما فيهمش خير فى بعضهم فردى عليه بأن الارض العربية تشهد مرحلة مخاض لا استطيع التنبؤ مما قد يلحقها ، أنك تسمعين الاخبار و ترين ما يحدث فى العراق و فى لبنان و السودان و ما قد يحدث فى أى قطر عربى اخر ، هى مرحلة تاريخية لا خلاص منها . للاسف ما قد نستهجنه عند الاخرين قد يحدث لنا لا سمح الله ، فالتربة و المحيط و الافكار هى واحدة ، و لو ترجعين للتاريخ الليبى اثناء مرحلة الجهاد فستجدين تشابها غريبا ما بين ما يحدث الان فى فلسطين ما بين فتح و حماس و بين عناصر و قوى الجهاد الليبى فى ذاك الوقت ، و لا أنسى أن أذكرك بأن كل المجاهدين الليبيين فيما عدا عمر المختار قبضوا يوما ما معاشا من ايطاليا أثناء الهدنة . تحياتى مرة ثانية و شكرا على التعليق