قرر السلطان أن يتولى بركات بن موسى نظارة الحسبة الشريفة للقاهرةو الوجه القبلي ، حيث سيكون مسئولا أمام السلطان عن أحوال السكان المدنية و الدينية – كمراقبة الأسعار و النظر في المكاييل و الموازين ، و معرفة ما يتردد على أفواه الناس ، و التصدي للأمر بالمعروف و النهى عن المنكر – ، كما أنعم السلطان عليه بلقب الزينى يقرن باسمه بقية عمره .  و لكن الزينى ذهب للسلطان متضرعا و باكيا راجيا إعفاءه من هذه المسؤولية الجسيمة فهو  عبد فقير لا يطيق الوصاية على إنسان يريد انقضاء عمره في أمن و سلام ، و لن يستطيع أن ينام ليله لو كان هناك مسلم مظلوم في مكان ما سيحاسب عنه يوم القيامة و هو لا يعلم به .و حار كبير البصاصين الشهاب زكريا بن راضى  في الأمر فالمعلومات المتوفرة لديه من جهازه الرهيب تقول بأن بركات دفع ثلاثة ألاف دينار إلى الأمير قاني كي يشترى بها هذا المنصب ، و زادت حيرته عندما لم يجد أية معلومات في أرشيفه عن هذا الرجل بينما وظيفته ككبير للبصاصين أن لا يفوته أي أمر من أمور مصر و أن يعرف كل شي عن أي شخص ، و لكن كل ما وجده في الصفحة المخصصة لبركات هذا فقط  ” بركات بن موسى ، له مقدرة الاطلاع على النجوم ، أمه اسمها عنقا” .سمع الناس برفض بركات للمنصب و تعجبوا،  ثم بدأ تعلقهم به ، و انتشر لغط عظيم بين الحارات و الأزقة و أروقة الأزهر ، بين مشايخ الحرف و الأعيان و أصحاب الحرف ، و تحركت جماهير الناس – كأن يد خفية تنسق تحركها – و طلبت من شيوخ الأزهر الضغط على بركات بن موسى بقبول هدا المنصب و أنهم لايرضون عنه بديلا ، و عندما توجه بركات إلى السلطان مرة أخره متذللا و قابلا تولى مسؤولية الحسبة الشريفة إرضاء لجماهير الشعب ، تنفس الناس الصعداء و أملوا بداية عهد مجيد كله عدل و رخاء ، و أصبح كبير البصاصين الشهاب زكريا حسب الأصول نائبا له .بدأ الزينى بركات عمله بإصدار القوانين لتنظيم أمور الناس و إنصاف المظلومين و إحقاق الحق و إلغاء الاحتكار و الحد من ظلم رجال الأمراء المماليك للعامة من الناس و فتح بيته لتلقى المظالم من الناس ، و زاده السلطان قانصوة الغوري تشريفا بتعيينه واليا للقاهرة بالإضافة منصب الحسبة الشريفة للقاهرة و الوجهين القبلي و البحري .  أهتم الزينى من جهته بإنشاء جيش من البصاصين يتبع له مباشرة و أعطى توجيهاته لكبير البصاصين بأن يبدأ في فتح ملف  لكل شخص في السلطنة منذ ولادته  و أن يعطى رقما خاصا و أن يعرف عنه كل شي من ميلاده إلى ساعة وفاته ، و هذا يشمل معرفة ميوله و أهواءه و مكامن الخطر فيه و نقاط ضعفه  ، فالأوقات صعبة و الأعداء – أي بني عثمان – يتربصون بمصر و هم ينتظرون الوقت الملائم للانقضاض عليها .  وهاهو كبير البصاصين أخيرا يقتنع برئيسه الزينى بركات و يجد فيه قائدا ملهما قل نظيره رغم جهله عن تاريخه السابق و من أين جاء .

  يحدث هذا في مصر – أم الدنيا – في وقت كان التاريخ يكتب فيه صفحات جديدة من تاريخ المشرق ، حيث كانت دولة المماليك في أفول و دولة بني عثمان في شروق نجم مجدها .  و يقودنا الأديب المبدع جمال الغيطانى في روايته عن الزينى بركات في تداخل عجيب بين الأزمنة ، فتشعر عندما تقرا كأنك في رحلة عبر الزمان ، و كأنه يحدثنا بإحداث الحاضر بلغة الماضي ، و تقول في نفسك – نعم – لعل هناك أزمنة أكثر رداءة من هذا الزمن العربي الردى الذي نعيش  و الذي نسمى فيه صورة طفلة بريئة في السابعة من عمرها تبيع – السمسمية – على رصيف شارع الثورة بدمشق بينما تحاول أن تؤدى فروضها المدرسية ، بعنوان العلم و العمل ، بدلا من القهر و الظلم .

   alziniibrkat2.gif image0021.jpgalziniibrkat1.gif