قال  لي صديق  ذات يوم : “عندما يضيق خاطري من بنغازي و مشاكلها ، فاننى أتوجه إلى طلميثة حيث إن لم يمسح البحر أحزانى فان الجبل كفيل بذلك” .  و قد عملت برأيه و زرت طلميثة لأول مرة منذ عدة سنوات ، و تحققت من مقولته ، و أصبحت طلميثة لي البهجة و الفرح و إعادة السرور. قال الشاعر الشعبي أمحمد قنانة الزيدانى ، المشهور بسيدي قنانة ، في قصيدته ” ضيقة الخاطر و الحيا المرمادة ” : ضيقة الخاطر و الحيا المرمادة … تشيب صغير السن قبل أنداده و مع وجود السن و الشيب أصلا و الحمد لله تصبح ضيقة الخاطر أحيانا  مضاعفة .  و هكذا وجدت دوما في الذهاب إلى منطقة طلميثة و التي تقع على بعد حوالي 120 كلم شرق مدينة بنغازي على شاطئ البحر و في حضن الجبل الأخضر بلسما لضيقة الخاطر هذه .  طلميثة التي بناها الاغريق الأوائل سكان مدينة برقة – المرج الحالية – كمرفأ لمدينتهم في القرن الثالث قبل الميلاد ، و التي أخذت أسم مؤسسها الثاني بطليموس الثالث بعد زواجه من الأميرة برنيق ابنة ماجوس ملك قورينا في عام 96 ق. م. و ازدهرت خلال العصر الروماني حتى احتلت مكانة قورينا أهم المدن الخمس – بنتا بوليس ، لا يبقى مكانها الآن إلا مدينة صغيرة تعانى من المشاكل المشابهة لمدن الساحل الليبي ، بينها و بين الجبل ترى الخرائب التي تبقت من أثار المدينة الأصلية التي شهدت مجدا عظيما يوما ما .  تحظى منطقة طلميثة بهدوء و جمال الطبيعة الصافية ما بين البحر الأبيض المتوسط من جهة ، و مرتفعات الجبل الأخضر من جهة أخرى ، و بالنسبة لي فهي تمثل الملاذ الأمن و المبهج في وقت واحد .

هناك تشابه تاريخي بين تأسيس مدينتي بنغازي و طلميثة ، فكلتاهما أسستا أول مرة من قبل المستوطنين الإغريق الأوائل ، و كلتاهما أنشأتا من جديد خلال عهد البطالمة في مصر ، و كلتاهما اندثرتا فيما بعد العصر الروماني و الفتح الاسلامى ، و لكن تجارة الملح أحيت مدينة بنغازي من جديد باسمها الحالي منذ حوالي خمسة قرون بينما كان حظ طلميثة الأجمل مكانا هو الإهمال و النسيان ، فهل لها مكان في ليبيا الغد؟

 

ptolemais3.jpg

ptolemais4.jpg

ptolemais8.jpg