عندما توفت أم فرونيما ابنة أيتاركوس ملك مدينة أوكسوس بجزيرة كريت الإغريقية ، تزوج أبوها من امرأة أخرى. و كما يحدث عادة فأن زوجة أبيها كرهتها و أذاقتها كل صنوف الإذلال و الاهانات ، و فى النهاية و كوسيلة للتخلص منها ، فأنها اتهمتها بعدم العفة و أقنعت أباها بسلوكها المشين .
و حدث أن كان التاجر الاغريقى تيميسيون من جزيرة ثيرا فى ضيافة الملك ، و بينما كان يوما يتغذى معه ، حمله الملك على القسم بأن يؤدى له خدمة سيطلبها منه . و حين أوثقه بالقسم طلب منه أن يأخذ معه ابنته و يحملها فى سفينته ثم يغرقها فى البحر . غضب التاجر من خدعة الملك الذي انتزع منه القسم قبل أن يعرف نوع الخدمة المطلوبة ، فقطع علاقته مع اتياركوس ، و نشر قلاع سفينته و أبحر مع الفتاة المغضوب عليها . و لما أصبح فى عرض البحر أراد أن يبر بما أقسم به فأوثق الفتاة بالحبال ثم قذف بها الى مياه البحر حتى توارت عن الأنظار ثم انتشلها إليه ، و هكذا بر بقسمه و أنقذها من الموت فى نفس الوقت ، و اصطحبها معه الى جزيرة ثيرا .
هكذا يروى هيرودوت فى كتابه الرابع ابتداء من الفصل الرابع و الخمسون بعد المائة بداية قصة مجي المستوطنين الإغريق الى شرق ليبيا حسب الروايات القورينية و الثيرانية  .  فى ثيرا اتخذ بوليمونستوس و هو مواطن ذو نفوذ من فرونيما خليلة له ، و رزق منها فيما بعد بولد أسمه أريسطيوس ، و تقول الرواية بأنه كان يعانى من صعوبة فى النطق أي عييا ، و لذا لقب باسم باطوس الذي يعنى فى الإغريقية العيي أو الو كواك .
و تروى القصة كيف تتالت نكبات على سكان جزيرة ثيرا – فد تكون نكبات اقتصادية أو قلاقل سياسية ، مما جعل ملك ثيرا يذهب لاستشارة كاهنة الوحي فى دلفي . و هناك أشارت الكاهنة على الملك بأنه حسب الوحي فأن عليه إطاعة أمر أبوللو الذي يوفده لإنشاء مدينة فى ليبيا ، مرعى القطعان الخصيب . و تكررت الاستشارة و تكرر رد الوحي بأنهم سيجدون منجاة من المصائب التي حلت بهم متى قاموا مع باطوس ، الذي كان رئيس الوفد في هذه المرة ، بإنشاء مدينة قورينا فى ليبيا .

libya.jpg

و هكذا أرسل الثيريون باطوس مع سفينتين من ذوات الخمسين مجدافا الى البحر ، و عندما رجعوا مترددين الى ثيرا ، طردوا و لم يسمح لهم بالنزول على الأرض ، و هكذا انتهى بهم الأمر بالإقامة فى جزيرة صغيرة قرب الساحل الليبي كانت تسمى بلاتيا . و لان هذه الجزيرة لا تتناسب مع خصوبة الأرض الموعودة حسب النبوءة رجعوا مرة ثالثة لاستشارة كاهنة المعبد فى دلفي التي أشارت عليهم بالتوغل فى الأرض الليبية حيث مرعى القطعان الخصيب الذي ينتظرهم .
عاد باطوس و جماعته الى ليبيا و استقروا فى منطقة تواجه الجزيرة تسمى أزيروس حيث كانت تحيط بها مرتفعات جميلة غنية بغاباتها و فى جانب منها يوجد نهر غير بعيد من ذات المكان ، لعلها فى خليج بمبا و غير بعيد من مدينة درنة الحالية .
و فى هذا المكان يروى هيرودوت أنهم استقروا ستة أعوام و فى العام السابع أرشدهم الليبيون نحو الغرب ، و قادوهم ليلا و هم معصوبي الأعين ، الى منطقة تسمى ايراسا – القبة الحالية قرب مدينة البيضا – ، و فى النهاية الى حيث يوجد نبع ماء مقدس ، و قالوا لهم : “يا رجال اليونان: هنا يجدر بكم الاستقرار إذ أن السماء هنا بها ثقب” .
هنا استقر اليونانيون و تزاوجوا مع الليبيين و بنوا قورينا فى سنة 630 قبل الميلاد ، و جاء مهاجرون آخرون من ثيرا ، و أصبح باطوس أول ملوك قورينا ، و حكم من سلالته سبع ملوك آخرون لمدة مأتى سنة .
قلت أن كلمة باطوس تعنى بالاغريقية الشخص العيي ، أما باللغة الليبية السائدة فى ذلك الوقت فكانت تعنى الملك . فهل كان عييا كما قيل ، أو أن كاهنة الوحي قد دعته – حسب رواية أخرى – بكلمة باطوس بالمعنى الليبي أي يا ملك ، لأنها كانت تعرف أنه كان سيصبح ملكا ذات يوم فى ليبيا؟
كتب هيرودوت تاريخه بعد مرور أكثر من قرن و نصف القرن على استيطان الإغريق لليبيا ، و الرواية السابقة هي التي نقلها عن سكان قورينا لقصة مؤسس مدينتهم الذي تكونت عنه نظرة تقديسية ، و تتداخلت فيه الحقيقة مع الأسطورة بفعل التبجيل و التقديس مثلما تتداخل عادة عند كتابة قصص الملوك .

cyrenebywafi.jpg

لوحة بريشة الدكتور الوافى تمثل الحورية الاسطورية قورينى و هى تقتل أسدا

“قاد أرسطاطاليس سفنه السريعة شاقا طريقه وسط اليم العميق و هنا أنشأ المعابد الكبرى للآلهة ، و حفر طريقا مستقيما تحدث صوتا تحث سنابك الجياد ، جملها بالأشجار الباسقة لتسير فيها جحافل المرتلين لصلوات فيبوس. و ألان يرقد باطوس فى قبره منزويا فيا له من محظوظ بين الرجال حيا و هو من بعد موته يعد بطلا يقدسه الشعب .”
من قصيدة بنداروس الخامسة .

مراجع

الإغريق في برقة
الأسطورة و التاريخ
فرنسوا شامو
ترجمة الدكتور محمد الوافي

قورينة و برقة
نشأة المدينتين في التاريخ
محمد مصطفى بازامة