في زخم الكشوف الجغرافية الأوروبية الاستعمارية في القرن التاسع عشر و في بداية العقد الثالث منه كلفت البحرية البريطانية الأخوان فريدريك و هنري بيتشى بمسح و استطلاع للساحل الليبي ما بين مدينة طرابلس و انتهاء بحدود درنة الشرقية .  و بينما كان الأخوان مع مرافقي رحلتهم يعبرون إحدى وديان الجبل الأخضر قرب مدينة أبولونيا – سوسة الحالية – سمعوا صوتا يشبه الطاحونة – أو الرحى – صادرا من مكان يعلو رؤوسهم ، ثم تبين لهم بعد أن استرقوا السمع صوتا نسائيا ينبثق من على جانب الصخرة ، و بعد إمعان النظر إليها اتضح لهم وجود فتحة عالية و مربعة الشكل بالجبل بها فتاتان جميلتان  تنظران إليهم ، و كان ارتفاع تلك الفتحة عن الأرض ما يقارب المائة و الخمسون قدما ، و لا يمكن بلوغها لا من الأسفل و لا من الأعلى و لا من أي اتجاه كان .

و قد لاحظوا أثناء مرورهم من قورينا – شحات – إلى أبولونيا العديد من تلك الحجرات المنحوتة في الصخر كتلك التي تقطنها الفتاتان و على ارتفاع عدة مئات من الأقدام ، و في أماكن تبدو مستحيلة الوصول إليها ، و تبين لهم أنها مساكن فعلية لعائلات بكاملها ، تهبط و تصعد إليها عن طريق استعمال الحبال ، و سماها فيما بعد بالمقرات الجوية، و عرفت بالكهوف المعلقة أو المعلقات و الاوشاز .  و قد ذكر الرحالان بأنهما تحدثا مع بعض سكان هذه الكهوف المعلقة ، و أبديا رغبتهما في زيارة سكنهم ، و لكنهم قوبلوا بعدم الاكثرات و اللامبالاة ، مما جعلا الرحالان يكتفيان بهذه التحية

aerialabodes.jpg

Aerial Abodes

و بعد ما يقارب النصف قرن فيما بعد مر الرحالة الالمانى الشهير غيرها رد رولفس بوادي الكوف القريب من مدينة البيضا بالجبل الأخضر و كان انطباعه عن رؤية المكان كما يلي .. اقتباس … ” وادي الكوف هو الأكثر وحشة و رومانسية مما يمكن تصوره .  أنه منحدر و في الغالب شاقولى الانحدار ذو جدران جيرية يبلغ ارتفاعها حوالي خمسمائة قدم ، و في كل مكان منه كهوف هائلة تقوم في الغالب أما في أقدام الجدران أو الوسط أو الطرف الأعلى منه ، وكل ذلك يجعل المرء يظن بأنه في شعب الشيطان .  و على كل حال فقد كانت غالبية هذه الكهوف مسكونة ، و سيتم سكن البعض الأخر أثناء موسم العسل ، لان النحل يبنى خلاياه على هذه الجدران .  و كثير من هذه الكهوف يعلو مائة قدم عن أرض الوادي و هي مرتبطة مع بعضها بممرات خارجية .  و يبدو أنها كانت تستخدم منازل لقبائل كاملة ، و هنا توجد أروع المغاير ذات الصواعد و النوازل .”  انتهى الاقتباس 

 

hangedcaves.jpg 

 

 

و بعد ذلك التاريخ بقرن و بضع سنين ، استرعت هذه الكهوف المعلقة للأجداد انتباه داوود حلاق ، أبن الجبل الأخضر الأصيل ، و الذي  رأى الكثير من الكهوف الجهنمية و التي تخشاها كواسر الطير نفسها  ، فحمل أدواته و آلات تصويره و برفقته مجموعة من المتطوعين الشجعان من شباب  الجبل الأخضر ، و عزم معهم على كشف أسرار هذه الكهوف .  قضى داوود حلاق ثلاث سنوات في النصف الثاني من ثمانيات القرن السابق في استطلاع كهوف الجبل الأخضر المعلقة ، و كشف عن أكثر من تسعين كهفا ، و في نفس الوقت حاول أن يجد أي لقي أو أثار لهولاء الناس الذين سكنوا أوكار النسور و معرفة أسباب عملهم هذا .  قام داوود و رفاقه بهذا المجهود بدون دعم رسمي – فيما عدا بعض المساعدة من السلاح الجوى بقاعدة الابرق – ، و كان من اكتشافاتهم تحديد المقرات الدينية للمسيحيين الأوائل مثل صرح مرقص الشهير في وادي الإنجيل برأس الهلال .

 

سكن الإنسان خلال تاريخه الطويل الكهوف ، و لعله مازال يسكن حتى ألان في  مناطق نائية كالصين و أمريكا الشمالية ، و حتى في فلسطين .  بينما تتميز مناطق عدة في شمال إفريقيا في المغرب و الجزائر بوجود مجتمعات سكنت الكهوف.  كما حفر سكان الجبل الغربي في غريان ، و مثلهم سكان مطماطة  بتونس مساكنهم بباطن الأرض ، و قد يرجع السبب في ذلك لندرة الحصول على الخشب كمادة للبناء ، و صعوبة تعويض أشجار الزيتون إن قطعت و استعملت في العمارة ، و هي ظروف قاهرة أجبرتهم على التراجع للماضي السحيق .

desertedhome.jpg

مسكن محفور تحت الارض و مهجور فى تغرنة بغريان

و لكن سكان كهوف الجبل الأخضرهؤلاء دفعهم  دافع شديد لمجاورة النسور في لجوءهم لكهوف عالية لا بد من  التسلق بالحبال للوصول إليها و النزول منها .  و لعل تغير العالم بعد سقوط بغداد على أيدي المغول ، و الحروب الصليبية ، و انتهاء الخلافة الإسلامية ، و انعدام الأمن بسبب عدم وجود حكم مركزي قوى ، و تفشى المجاعات و الأوبئة بسبب سنوات الجفاف و الكوارث الطبيعية مثل الزلازل ، و الحروب في عصور سحيقة قد اضطرت هؤلاء الناس لمجاورة النسور ، و أستمر هذا لفترة عدة قرون ،  و أرجح داود حلاق أن يكون هذا قد حدث ابتداء من نهاية القرن الثاني عشر و حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي .    و قد وصف الرحالة و المؤرخون العرب برقة ، من ابن الأثير و  التيجانى و أبو الحسن الوزان المعروف بليون الافريقى و العياشى ، بأنها كانت أرض قاحلة تعرضت لكوارث طبيعية و مجاعات رهيبة و أوبئة مثل الطاعون  و ساعد مجي بني هلال عبر مصر إليها على انتشار الخراب و الفساد في البلاد .   و هكذا اضطر هؤلاء الأجداد السكن قرب أوكار النسور و تزاوجوا و أنجبوا أطفالا ترعرعوا و عاشوا بدورهم في هذه الكهوف المعلقة ، و زاولوا بعض أعمال الزراعة و تربية الحيوان ، و قايضوا منتجاتهم فيما بينهم .  و تكون نتيجة لذلك مجتمع مغلق لا يثق بأحد و هو في وضع دفاعي دوما ، و يكتفي بإشباع حاجاته الأساسية فقط للحياة ، و يرى الخطر في كل ما هو غريب .

dawoodhallag.jpgdh_book1.jpgdh_book2.jpgdh_book3.jpg

dh_book4.jpg

 

كتب داوود حلاق أربعة كتب لخص فيها مجهوده و رفاقه في تسليط الضوء على هاته الكهوف التي سكنها الأجداد ، و هي الاتى ذكرها :

1 – أوشاز الأسلاف : دراسة موجزة عن الكهوف المعلقة بالجبل الأخضر .

2 – مرقص الانجيلى :  دراسة موجزة عن سيرته و كفاحه ضد الرومان و مقراته بالجبل الأخضر .

3 – الفكر الحرفي  – ج 1 / ج 2 : دراسة وصفية للجانب التقني في أدوات سكان الكهوف .