خلال الأسبوع الماضي كنت في رحلة عمل بمدينة طرابلس ، و كنت محظوظا بتوفر بعض الوقت الحر حتى أقضيه في الأماكن التي أحبها في طرابلس – المدينة القديمة .  بدأت جولتي من الباب الجديد حيث صعدت السلم الحجري الذي يؤدى إلى طريق الحراسة القديم و الذي يحمى المدينة من الشط الغربي ضد الغزاة في أيامها الغابرة .  مشيت على السور و كانت الفتحات التي يقف بقربها المدافعون عن المدينة على يساري و منها يبدو فندق الكورنثيا مذكرا لي بالحاضر .

 و قبل أن أصل إلى خزان القبة وجدت سلما ينزل من ناحية اليمين نحو فيما كان يسمى بحارة اليهود و عبرتها باتجاه الحارة الكبيرة و حومة غريان .   و توالت المسميات في خاطري من الحارة الكبيرة و الصغيرة و حومة غريان و قوس الصرارعى و كوشة الصفار و قوس المفتى و سوق الحرارة و جامع الناقة و الأربع عرصات و زنقة الدروج و زنقة الكاتب أو زنقة الريح و سينما النصر بسوق الترك حيث رأيت أول فلم سينمائي في حياتي و كان في حفلة صباحية مخصصة للمدارس الابتدائية ، و حمام درغوت و ميدان السيدة مريم ، و زنقة الاسبانيول و زنقة الفرنسيس و زنقة سيدي سالم ، و مخزن الرخام – قوس ماركوس اوروليوس – ، و باب البحر ،  و غيرها من الأزقة و الشوارع الضيقة التي كانت يوما ما ممتلئة بحياة دافقة ، و جمعت بين الطرابلسية من عرب و يهود و مالطية و أتراك و رقريق و شركس و بين العرب المهاجرين بسبب الحروب و المجاعات و الجفاف من دواخل البلاد ، من جبل نفوسة و مصراتة و ترهونة و مسلاته و فزان ، و أحفاد العبيد المحررين بعد حظر الرق ، و قد كان هذا الحيز الضيق مساحة يسعهم و يزيد .  كانت المدينة يوما ما تزخر و تفيض بالحياة ، و كانت شوارعها و أزقتها الضيقة التي تشبه المتاهات تعج بالحركة و الحيوية ، من أطفال يلعبون كرة الشاش أو التيرة ، و باعة متجولون يصيحون بإعلان ما يبيعون من خضروات أو سمك أو حليب طازج يحلب حالا من المعيز المالطية ، و كذلك باعة آخرون يشترون الأشياء المراد الاستغناء عنها – الروبافيكيا – ، و النساء العربيات في فراشياتهن البيضاء ، و اليهوديات السافرات ، كما تنتشر فيها روائح الطبخ الصادرة من المنازل من قلى ألأسماك و طبخ الحرايمى و الطباهج و الكسكسى غيرها من أكلات طرابلسية لذيذة ، و مختلطة بروائح القهوة و البخور بأصنافه .  و بالإضافة للأسواق التي تأتى إليها في الأزقة الضيقة كانت لديها أسواقها العريقة مثل سوق الرباع و سوق اللفة و سوق الذهب و باب الحرية وسوق الحوت من المعالم البارزة للمدينة إضافة إلى قلعتها التليدة: السراي الحمراء  ، كما حوت أزقتها الكثير من دكاكين البقالين و بائعي الفحم  و الحرفيين من اسكافيين و كواشين و عمال الكير ،  و حتى المصانع الأهلية الصغيرة . 

أخذت هذه الأزقة التي تشبه المتاهة على الأقل سنتان من عمري و أنا طفل صغير حتى أعرف طريقي فيها إلى كتاب جامع سيدي محمود و إلى مدرسة المدينة القديمة الابتدائية للبنين بباب الحرية ، و إلى شواطئ البحر في فصل الصيف ، و التي تحيط بالمدينة القديمة من ثلاث جهات .  طرابلس المدينة القديمة تعبق بزخم رائحة التاريخ ، و تميزت دوما بجوامعها العريقة ، و بمجتمعها المتآلف المرح و الشجاع عند الملمات ، و لا أنسى أن القوة المتحركة كانت تعجز عن اختراق المتاريس التي تنصب في باب الحرية القريبة لتمركز قوات الأمن المدججة بالهراوات و البنادق وراء مبنى وزارة الداخلية أيام القلاقل و المظاهرات الشعبية ، و حتى خضوعها لحضر التجول كان ضعيفا جدا عند إعلانه وقتها .  و لكنها الآن تبدو بائسة و حزينة رغم كل محاولات التجديد و التطوير و ذلك لان أهلها هجروها ، و القليل جدا منهم الذي بقى فيها لا تظهر عليه علامات الحيوية و البهجة التي كانت الطابع المميز للطرابلسية في وقت مضى ، أليس المكان بالناس ؟

اخترقت الحارات و وصلت إلى باب البحر و عبرت زنقة الفرنسيس و الأربع عرصات و سوق الترك حيث كانت نهاية رحلتي إلى الماضي في سوق القز دارة – المشغولات المعدنية للنحاس – و برج الساعة ، و كانت رحلة اختلطت فيها الذكريات بالألم …..

 

tripoli-001.jpg

tripoli-007.jpg

tripoli-014.jpg

tripoli-029.jpg

 

tripoli-054.jpg