أيام عطلة الصيف كانت طويلة و شديدة الحرارة ، و كانت شواطئ البحر تمثل المتنفس الوحيد لأطفال و شباب حارات و أزقة المدينة القديمة في مدبنة طرابلس المختنقة بسكانها .   و كان الصبي يحب البحر الذي يمثل له عالما من البهجة و التحرر من القيود ، و محيطا من المغامرات لا حدود لها .   كان الوقت الذي يقضيه و أقرانه من فتية شارع سوق الحرارة في البحر يشبه قصة من قصص المغامرات التي اغرم بقراءتها عندما يستطيع توفير بعض القروش القليلة و شراءها من دكان الكتب القديمة بسوق الترك .  و كان الصبي قد تعلم السباحة في الفسقية ،   و هي خزانات ضخمة و مسقوفة بناها الطليان في غريان تحت الأرض حتى يتجمع فيها ماء المطر خلال الفصل المطير لاستعماله من الجميع لسقى الحيوانات و غسيل الملابس .  كان ينزل لجوف الأرض من فتحة بها سلم لقاع الخزان لمسافة خمسة أو ستة أمتار ، و عندما يصل لسطح الماء يترك السلم و يسبح عادة حتى انتهاء النساء فوق سطح الأرض من غسيل الملابس و الرجوع معهن إلى حوش الحفر حيث كانوا يسكنون .

 

و هكذا كان فصل الصيف يمثل أحسن الأوقات حيث يذهب مع أقرانه في معظم أيام الأسبوع منذ ساعات الصباح  الأولى إلى احد الشواطئ القريبة التي تحيط بالمدينة القديمة .  كانوا يتلاقون صباحا ، و كل واحد منهم قد أحضر معه شيئا  من بيته من مكونات الشرمولة من حبات طماطم و فلفل حار و بصل و خبزه و بعض زيت الزيتون و الملح  ، و صحن و موسى لتحضير الشرمولة على شاطئ البحر و تناولها هناك .

 

كانت المسافة إلى  الشاطئ في أي اتجاه لا  تزيد على العشرة دقائق ، فالمدينة القديمة محاطة بالبحر من الشمال و الغرب .  و كان لديهم الخيار ما بين شواطئ الترسانة قرب السراي الحمراء و باب البحر قرب مدخل الميناء و بحر اليهود قرب محطة الكهرباء بالباب الجديد ، و المفضل لديهم عادة كان  بحر البياضة الذي يقع في منتصف المسافة بين الأخيرين من هذه الشواطئ ، و تحت خزان القبة تماما .    يذهبون هناك منذ ساعات الضحى و لا يرجعون إلى بيوتهم إلا وقت الظهيرة ، و كانت هناك مسابقات في السباحة مابين البياضة و النقيزة مع استراحة قصيرة على تلك الصخرة الغامضة التي تكاد تغطيها المياه و التي كانوا يسمونها الحصيرة .   و من على صخرة النقيزة التي تبدو من الشاطئ كجبل صغير تستمر التحديات في القفز من أعلى مكان فيها ، وأيضا في الغطس تحت الماء .  و كان المجهود الذي يبذلونه في السباحة يجعلهم يشعرون بالجوع ، و حينها يعودون للبياضة و يأتي وقت تحضير الشرمولة و الاستمتاع بأكلها . 

 

صخرة النقيزة

و كانت الأخبار التي تتوالى عن غرق بعض الفتية سواء في الشواطئ القريبة من المدينة القديمة أو في  شاطئ تاجوراء خلال أيام فصل الصيف قد جعلت أمه تقلق و تخاف أن يحدث له مكروه أو أن يجيئها خبر غرقه في أحد الأيام .  و عندما بلغ منها القلق شانا كبيرا كلمت أخاه الأكبر بهواجسها و خوفها عليه .  خاف الصبي عندما سمع بذلك فهو يعرف أن أخاه يميل للشدة في تربيته ، و أن يده تسبق لسانه في معظم الأحيان ، و لذا فهو يحاول قدر استطاعته إرضاءه وعدم إغضابه خصوصا بالذهاب لكتاب جامع محمود بعد ظهر كل يوم و مداومته حفظ القران كما يريد له .  لذا كان استغرابه عظيما عندما طلب منه أخوه بأن يكون مستعدا صباح يوم الجمعة التالي لأنه سيذهب و إياه إلى شاطئ  البحر .

 

أخذه أخوه ذلك اليوم للبياضة و طلب منه مسابقته حتى صخرة الحصيرة ، و بعد أن سبحا لفترة من الوقت و وصلا إلى منطقة عميقة المياه التفت إليه أخوه و مسكه من شعر رأسه و أغطسه تحت الماء و أبقاه غاطسا بعض الوقت ،  ثم تركه .  خرج إلى السطح منذهلا و مندهشا مما حدث و بصق الماء المالح من فيه و هو يحرك يديه و رجليه حتى يبقى طافيا على سطح الماء ، و لا يدرى إلا و أخوه يعاود فعلته عدة مرات و هو يضحك ، و في كل مرة يبصق الصبي الماء المالح و هو يصرخ محتجا و راجيا أخاه بالتوقف .  توقف أخوه في النهاية عن تغطيسه و بدأ كأنه كان راضيا عن  النتيجة .  سبحا معا مرة ثانية رجوعا للشاطئ و خرجا  فوق  الصخرة  يتشمسان ، و بعد عدة قفزات أخرى لبسا ملابسهما و رجعا للبيت .

 

طمأن أخوه الوالدة القلقة بأنه تأكد من معرفة الصبي للسباحة ، و مع ذلك فأنه لن يسمح له بالذهاب إلى البحر يوميا بعد ذلك اليوم .  بعد يومين أمره أخوه بالتوجه صباحا لدكان الاسكافي اليهودي برخانى القريب من البيت للعمل معه خلال فترات الصباح ، و لكن تلك قصة أخرى …