ورد في تغليق سابق للمدونة  Saw على قصيدة العقم والأصداء لعلى الفزانى ما يفيد رأيها في تأثيرات الحداثة و فترة ما بعد الحربين العالميين اللذان أنجبا شعراء غيرا في طريقة تعاطي الشعر و وظيفته في المجتمع ، و مدى تأثير هذا على شعر على الفزانى .  و قد جعلني هذا أرجع إلى أوراقي و كتبي القديمة لعلني أجد ما يفيدني عن العوامل المؤثرة في شعر على الفزانى .

بداية لا بد أن أنوه بأنني وجدت دائما تشابها كبيرا ما بين خليل حاوي و على الفزانى ، فكلاهما عصاميان ، و كلاهما ملتصقان بالناس البسطاء و هذا يعنى قربهم من همومهم و معاناتهم ، و كلاهما بدأ نوعا جديدا من الشعر غير المقيد .  و قد ساعدني الحظ  بالوقوع على  نص رسالة كتبها الشاعر إلى الكاتب الليبي محمد وريث من روما  في سنة 1968 ، … فماذا يقول فيها ؟

صديقي محمد وريث …

الأصدقاء في ليبيا قرءوا مجموعتي الأولى ” رحلة الضياع ” ، و طلب إلى المثقفون منهم – على رصيف احد المقاهي – أن أكتب مستقبلا شعرا عالميا ، أعنى أن أملا جرابي بالأساطير ، ابتداء من الميثولوجى الاغريقى ، حتى خرافات العجائز في بنغازي.

و أنا أستغرب شيئا واحدا فقط و هو كيف يطلب إلى شاعر ما أن يكتب أشعاره بطريقة معينة ؟  .. فالشعر الذي أمارسه بحذر يرتكز على العفوية المطلقة ، و على المعاناة ، و على رصيد جيد من المعرفة .  و لو أنني حققت مطلب المثقفين هذا ، لسقطت ميتا في مستنقع التاريخ الممتلئ بجماجم المغامرين في عالم الشعر .

هناك شي أخر … أعنى أريد أن أقول ظللت ثلاثة عشر عاما كاملة و أنا أستعد لهذه الرحلات .. و على الرغم من هذا الجهد ، فاننى اشعر أنني شاعر فترة زمنية معينة ، و أن معركتي محددة حتى الآن … و أنا أعرف أن ليبيا ستلد شاعرا عظيما يفلسف كل قضايا العالم عبر أشعاره ,,,

أريد أن أقول أيضا اننى حاولت مستميتا خلال سنوات 59 و 60 و 61 أن أتجنب السير في كوكبة فرسان ” اليوت ” المقنعين .  و أن أبتعد عن التأثر بالألوان الملتزمة بشكل لا يتفق و الواقع العربي .  أعنى أنني حاولت بالضبط أن أرسم طريقي بنفسي ، سواء في الشكل أو المضمون .  و إذا كانت أثار قراءاتي لهيمنجواى ، و نزار قبانى ، و البرتو مورافيا ، و غوركى ، و صادق النيهوم ، و خليل حاوى ، قد أثرت على بعض انتاجى ، فهذا مكسب جيد ، خاصة إذا عرف المرء أي معاناة يلاقيها الأديب في التخلص من أثار قراءاته .

و ” أسفار الحزن المضيئة ” .. انتقال أخر من الضياع إلى حزن شيق مضئ .. اما أنا فقد بلغت الثالثة و الثلاثين ، في أحد أزقة مدريد المعتمة ، و احتفلت بتلك المناسبة بأن بكيت من أجل أمتي ..  و كتبت قصيدة رثاء في قدمي اللتين لم تعودا قادرتين على عبور أزقة المدن النائية .  ثم مزقت القصيدة ، لاننى لا أريد أن أزرع الخوف في قلب شاعر أخر .

الواقع أن تجربتي في الحياة ، كانت قاسية إلى أبعد حد .  و  طفولتي  لم تكن جيدة بأية حال : طفولة حرمان ، و فقر ، و رزايا ، عبر عالم ملئ بالتعفن و الكراهية .

و عندما حان الوقت ، تنفست عبر قصائدي بكلمات أغرقها التشاؤم و الحزن . .  و مهما قال النقاد من كلمات مديح أو قدح ، فلابد من القول بأنني أستفيد من كل ذلك … فقد عرفت ألاف الرجال الطيبين ، و مثلهم من الأوغاد المغرضين .

و لك ،   و لكل القراء في ليبيا ، السلام .

على الفزانى

روما – 6/1/1968 م