كان مفتاح شابا صغيرا يقترب من سن السابعة عشر في سنة  1938 عندما أمرته السلطة المدنية الايطالية في الجبل الغربي عن طريق والده بأن يتقدم للتسجيل في مدينة تغسات – مدينة غريان الحالية –  لدى مكتب التجنيد العسكري الالزامى .  كانت ايطاليا تحتل ليبيا ، و كانت الحرب العالمية الثانية على الأبواب ، و رغم أن مفتاح كان وحيد والديه فلم يكن هناك أي استثناء لدى السلطة الاستعمارية .

قدم مفتاح نفسه لمكتب التجنيد الالزامى ، و كان نصيبه أن يفرز في كتيبة الآليات المتحركة و من ثم وجه لمدرسة تعليم القيادة و الميكانيكا حتى يتم تعليمة قيادة العربات.  بقى مفتاح في مدينة غريان مدة سنة تعلم خلالها قيادة الآليات ، و بعد ذلك بقليل نقل إلى مدينة طرابلس و من هناك إلى الجبهة الغربية عند الحدود المصرية حيث كان النظام الفاشي يحشد قواته التي قارب تعدادها الربع مليون جندي تحت إمرة سفاح برقة و الجبل الغربي سابقا الماريشال غراتسيانى ، استعدادا لغزو مصر .

 

الحاج مفتاح أحد أنسبائى ، و هو الآن يقيم في قريته الأصلية في غريان .   و قد تعرض مؤخرا لمتاعب صحية ذهب على أثرها مع ابنه إلى مدينة صفاقس بتونس للعلاج ، و على اثر عودته ، ذهبت إليه الأسبوع الماضي للسلام عليه و الاطمئنان علي صحته الغالية ، أطال الله في عمره و متعه بالصحة و العافية .  و كالعادة عندما أذهب إليه أخذته معي بالسيارة قبل المغرب و خرجنا في جولة إلى المناطق القريبة و في هذه المرة ذهبنا إلى عين بو عياد التي لا تبعد إلا كيلومترات قليلة عن محل سكناه .   و  تحدثنا كثيرا في مواضيع شتى ، و كالعادة كنا نرجع دوما للحديث عن فترة مشاركته في الحرب العالمية الثانية كمجند رغما عن أنفه في جيش الفاشي موسولينى  .

 

الزحف نحو قنال السويس

حدثنى الحاج مفتاح عن إقامته بشرق طبرق حتى جاء الأمر من موسولينى بالهجوم على مصر ، و كيف قام الجيش العاشر الايطالي في سبتمبر 1940 باجتياز الحدود المصرية عبر السلوم و مضيق حلفايا ، و كيف انسحبت القوات الانجليزية من أمام تفوقهم العددي حتى مرسى مطروح ، و كيف وصل الايطاليون إلى سيدي البرانى ، و استقر بهم المقام هناك . و كيف شعروا بالاطمئنان حتى أن غراتسيانى جلب عمالا من ليبيا من ضمنهم يهود حارة طرابلس لإنشاء طريق يربط الحدود الليبية بسيدي برانى لتسهيل وصول المؤن و الإمدادات .   و في شهر ديسمبر من نفس السنة أعادت القوات الانجليزية تنظيمها و هاجمت الايطاليين في عملية كاسحة تشبه الكماشة ، و تقدمت غربا في ليبيا حتى منطقة العقيلة .  استمرت الحرب فيما بعد بين كر و فر بعد استنجاد الايطاليين بحلفائهم الألمان و مجئ الفيلق الالمانى الافريقى بقيادة رومل ، و لكن الحرب بالنسبة لمفتاح كانت قد انتهت .

 

 أسرى الحرب

وقع مفتاح مع عشرات الآلاف من الليبيين ، و أكثر من نصف عدد الجيش الايطالي في الأسر .  نقل الأسرى الليبيين إلى معتقل لأسرى الحرب تابع للجيش البريطاني في منطقة التل الكبير في مصر حيث بقوا هناك لمدة أربع سنوات .  حدثنى الحاج مفتاح عن سنوات الأسر القاسية ، و عن معاملة الانجليز لهم التي لم تكن سيئة بالأساس و ذلك رغم شح المواد الغذائية و المؤن بسبب ظروف الحرب .  بعد نهاية الحرب نقل مفتاح في باخرة فرنسية إلى طرابلس و هناك تم تجميع الأسرى في خلة الفرجان قرب قصر بن غشير و بعدها تمت إعادتهم لمناطقهم الأصلية ، و هكذا كتب للحاج مفتاح أن يخرج سالما من الحرب العالمية الثانية التي شارك فيها رغما عن أنفه.

 

هل يستطيع السيد برلسكونى أن يرجع سنوات العذاب إلى الحاج مفتاح و عشرات الآلاف من رفاقه في معركة غزو مصر ؟  و هل يستطيع أن يعوض عن الليبيين الذين أفنوا حياتهم لمجد ايطاليا في جبال و غابات الحبشة قبل ذلك في حربها الاستعمارية هناك في سنة 1936 ؟  أشك كثيرا أن يستطيع السيد برلسكونى أو غيره أن يعوض الليبيين في سنوات الفناء و العذاب .