الأسبوع الماضي دعاني صديق من هون للحضور و مشاهدة مهرجان الخريف السياحي الثالث عشر بهون ، و الذي يتزامن موعده مع الذكرى الثمانين لمعركة عافية و ذكرى شهداء هون التسعة عشر المخلدة ذكراهم بقصيدة الشاعرة المرحومة فاطمة عثمان (خرابين يا وطن) .   و رغم ضيق الوقت و بعد المسافة فقد رتبت أموري بالعمل و البيت و كنت ظهر يوم الخميس الماضي في سيارتي خارجا من بنغازي للبدء في مسافة الثمانمائة كيلو متر التي تفصلني عن هون و واحات الجفرة .  و مع التاسعة مساء كنت في  ساحة المدينة القديمة في هون في الوقت الذي انتهت فيه احتفالية افتتاح المهرجان .

 

أن ذكريات البلاد القديمة كما كتب حسن أبوزيد في مطبوعة الخريف – المطبوعة السنوية للمهرجان – مثل  ” خنينيب السحور … و الليبرة و التيرة و البطش و الفتات باللوبية و البكيوة و فتات الدشيشة و التافريتة بالكشطة و الفطيرة و الاتلى و خبزة المخمر و التمر المعجون في الخوابى و البسيسة … “  هي الذكريات التي أصبحت جزءا من شخصيتنا ، فشكرا للفاعليات الأهلية بمدينة هون التي قامت بابتداء هذا المهرجان و الاستمرار فيه كل سنة حتى وصل الآن إلى سنته الثالثة عشر .

هون هي الواحة المركز في واحات الجفرة الثلاث تتوسط أخواتها ودان من الشمال و سوكنه من الجنوب ، و تقع جنوب مدينة سرت الساحلية بمسافة 230 كلم .  و هون لها تاريخ .  كان أسمها في البداية (ساكن بن مسكان)  التي اختفت تحت الرمال في زمان غير معروف ، ثم كانت هناك هون الحويلة – و هي مدينة هون القديمة – التي أحاط بها سور به أبراج للدفاع عنها ، ثم أصبحت مدينة هون الحالية التي شهدت نموا عمرانيا زاهرا في عهد الثورة فأصبحت حاضرة فيها مؤسسات تعليمية و مجمعات إدارية حديثة ، و يبلغ عدد سكانها حوالي العشرين ألف نسمة تقريبا .  هون بها مياه و نخيل كثير ، و اعتمد اقتصادها في السابق أساسا على التمور و المشغولات اليدوية من أخشاب النخيل ، و الزراعة و تربية الإبل ، كما يمتاز أهلها بحب العلم و الفنون .

 

صباح يوم الجمعة كان موعدي للتجوال في مدينة هون القديمة ثم حضرت محاضرة للدكتور يونس الفنوش عن التراث الشعبي ،  ثم زرت معرضا لفنون التراث كان يشمل الرسم و التصوير و النحت .

شارع فى مدينة هون القديمة

شارع فى مدينة هون القديمة

لوؘ? الشهداء التسعة عشر

لوحة الشهداء التسعة عشر

معرض الفنون اليدوية

معرض الفنون اليدوية

معرض الفنون اليدوية

معرض الفنون اليدوية

معرض الفنون اليدوية

معرض الفنون اليدوية

 

بعد المغرب بدأت احتفالية اليوم الثاني للمهرجان في ساحة المدينة القديمة حيث تم عرض لوحة عن تقاليد أفراح العرس الهونى عرضت فيه الأزياء التي تلبسها العروس خلال أيام الفرح ، مع خلفية موسيقية لفرقة هون للفنون الشعبية

S & T
S & T
S & T
S & T

و بعد هذا العرض الممتع كانت هناك احتفالية خطابية بالمسرح الشعبي عن الذكرى الثمانين لمعركة عافية الشهيرة .  و بعد ذلك كان لي شرف لقاء الشاعر الحاج محمد عبد اللطيف العطشان الذي أستقبلنى في بيته و شربت عنده حليب النوق .  و كان حديثا ممتعا و شيقا ، فالحاج محمد كان على معرفة و علاقة اجتماعية بالشاعرة المرحومة فاطمة عثمان . و حدثني الحاج عن ذكريات قديمة بدأت قبل مولده ، فأحد أجداده كان واحدا من التسعة عشر شهيدا ، و قد نكل غراتسيانى ببقية أفراد عائلته حيث تم نفى سكان هون للمعتقلات ، و كيف فر بعضهم بحماية القائد الوطني عبد الجليل سيف النصر إلى شمال تشاد و استقروا هناك حتى بعد الاستقلال .  و في نهاية اللقاء أملى على مشكورا قصيدته التي ألفها في مناسبة تأبين المرحومة فاطمة عثمان ، و على حسب علمه فهي لم تنشر سابقا ، و التي قال فيها :

الله يرحمك يا فاطمة عثمان

يا تاركة موقف النا عنوان

يا من تركتى فينا احساس

من احساس السابقين علينا

أهلنا اللى ما شوهوا طارينا

لا وانسوا لا خضعوا للطليان

و يا من وصفتى وصف فيه قرينا

صورة بديعة شاملة مكان

و يا من على رايات اصرار لقينا

الراس راس ديما راس ما يلتام

و قلتى السبايل لو الها وارينا

تبقى سوايا مالها غفران

و قلتى اللمد يمخر و زاد ارطينه

و كيف المسامى يدفعوا الاثمان

هذى القصيدة سرها بحدينا

و كنيبها قالت فلان فلان

و قالت علينا كل ما هو لينا

و احنا علم شامخ فوق كل مكان

نبى ننصح الواهم يواطى عينه

ما كرومة المذبح تجى مسلان .

 

صباح يوم السبت غادرت هون ،  و بعد استراحة قصيرة في منتزه ودان اتجهت شمالا نحو جبال ودان و إلى سرت .  فدمتم يأهل هون الكرام بخير ، و وداعا إلى هون النخلة ، و الشمس ، و الرمال ، إلى حين قريب إنشاء الله .