الاسرائليون يعلنون الحرب على من يريدون و أينما يريدون و متى يريدون ، بينما العرب يحتجون .  الاسرائليون يغتالون من يريدون ، و العرب يشجبون .  الاسرائليون يوقفون الحرب متى يشاءون ، بينما العرب يطالبون .  الاسرائليون متفقون – على الأقل كغالبية فعالة – على معاداة العرب ، بينما هناك عرب يرفضون إسرائيل ، و آخرون يعتقدون بصداقة إسرائيل ، و بالسلام مع ترسانة السلاح هذه يطمحون .  هناك إسرائيل واحدة ، بينما هناك عرب كثيرون .  هناك فلسطينيون مسالمون ، و أخرون متمردون ، و بينهما و بين إسرائيل فان الأطفال و النساء و العجزة يطحنون .

ينظر الغرب للاسرائليين على أنهم ديمقراطيون ، بينما يرى العرب على أنهم متخلفون ، جاهلون ، بالدين متزمتون و بالإرهاب يتفنون .  يتغير حكام إسرائيل حسبما يريدون ، بينما حكام العرب بكراسيهم متشبثون .  ينظر الكثيرون في العالم إلى الفلسطينيين  في غزة و مقاومتهم الباسلة على أنهم أصحاب حق ، بينما ينظر إليهم فلسطينيون أخرون على أنهم انقلابيون ، و ينظر معهم عرب أخرون على أنهم مشاكسون .

 

يصعب علينا محاورة العالم و محاولة إفهامه بقضيتنا العادلة في ظل خلفية كهذه ، و لولا القصف العشوائي الاسرائيلى و ما أنتجته آلة الحرب الاسرائلية الفتاكة من مشاهد دمار زلزالي و ضحايا لا حصر لهم في غزة لما أهتم أحد غيرنا بهذا العدوان .  نعم ، دائما هناك أحرار شرفاء في العالم يقفون مع القضية الفلسطينية و لكن هؤلاء قلة بسبب تأثير الدعاية الصهيونية المهيمنة في أوربا و أمريكا ، بالإضافة إلى ما تفعله رؤوس الأموال اليهودية في كل مكان من ابتزاز و شراء للضمائر و الذمم .

 

و لكن دعنا من العالم و لنسأل أنفسنا : لماذا نحن دائما هكذا ؟  لماذا حاربت مصر إسرائيل في أربع حروب ، و في النهاية اختارت التطبيع كطريق وحيد للسلام و التعايش ، بينما لا ترى إسرائيل في هذا إلا ما يحقق مصالحها الخاصة و هيمنتها الكاملة في ما تفرضه من شروط لا تخدم إلا نفسها ؟  لماذا بقيت سوريا صامدة نظريا بينما الجبهة السورية أبرد من الجليد منذ حرب 1973 ، و رغم ضم الجولان السوري إلى إسرائيل ؟  لماذا تحولت الأردن إلى التطبيع الكامل مع إسرائيل ، و ماذا استفادت في مقابل ذلك ؟  لماذا تشرذم العرب بشكل مريع أيام العدوان و التنكيل بغزة ، و تداعوا إلى قمم بلا فائدة ، بينما كان موقف تركيا – غير العربية و العلمانية – هو الأكثر إشراقا و شرفا و رجولة و عقلانية ؟  لماذا قطعت فنزويلا و بوليفيا علاقاتهما مع إسرائيل احتجاجا على مجازر غزة ، بينما حافظت دول عربية على نفس العلاقات و جندت جيوشها لحماية السفارات الاسرائلية من غضب شعوبها ؟  لماذا دعت مصر – أكبر و أقوى دولة عربية – الاروبيين إلى الاجتماع على أرضها لبحث مسألة غزة بينما رفضت حضور مؤتمر قمة طارئ في الدوحة لأجل غزة ؟  هل كان يهمها إيقاف العدوان فعلا أم التضامن مع إسرائيل في منع تهريب الأسلحة إلى غزة حتى لا تتحول غزة إلى دولة عظمى تهدد أمن مصر نفسها ؟

كيف تستطيع جزيرة صغيرة كإسرائيل تحدى محيط عربي عملاق به إمكانيات بشرية و مادية ضخمة ، بينما هي تعيش على المعونات و المساعدات الأمريكية ؟  و إذا كان اختيار الحرب مع إسرائيل خاسرا ، فهل جلب السلام كخيار استراتيجي – كما يقولون – التقدم و الرخاء للشعوب العربية ؟

هل نحن نعيد مرحلة حكم الطوائف في الأندلس الذي بشر بنهاية الوجود العربي في أسبانيا ؟  هل نحن نشاهد الآن ما يسبق انقراض العرق العربي  ، أم نحن نشاهد مخاضا سيتولد عنه زلزال يدمر الأصنام العتيقة مبشرا بنهضة شعوب تريد الحياة ؟