يتردد ذكر الحمادة الحمراء في روايات الكوني كثيرا فهي المراعى الواسعة لقطعان الماشية و الإبل للرجال الملثمين – الطوارق ، و هي سلة الغذاء لقطعانهم عندما يشتد عليهم الجدب و القحط في واحات العمق الصحراوي جنوبا .  و كانت الحمادة الحمراء تاريخيا الملجأ و ممر العبور الآمن لسكان الشمال الغربي الليبي عندما تشتد عليهم الأزمات و الحروب كما حدث أيام الغزو الايطالي عند هجرتهم إلى الملاذ الصحراوي في وادي الشاطئ و وادي الآجال .  و هي الآن المراعى المفتوحة لجميع الليبيين من غدامس و غات و حتى وسط و شرق ليبيا ، هي قارة تخص كل الليبيين .  الحمادة الحمراء فضاء فسيح على شكل هضبة شبه صخرية مسطحة تمتد ما بين الحدود الجنوبية لجبل نفوسة شمالا ، و وادي الشاطئ و جبال الحساونة جنوبا ، و يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر مابين 450 إلى 650 مترا .  و تمتد بالعرض لحوالي خمسمائة كيلو مترا ما بين حافة منخفض الجفرة شرقا إلى داخل الحدود التونسية و الجزائرية غربا ، و تزيد مساحتها عن 60,000 كيلو متر مربع .   كما تشتهر الحمادة الحمراء بظهور أنواع جيدة من الترفاس بأرضها إذا كان الموسم جيدا ، وهذا مرتبط بأمطار خريفية جيدة و أمطار شتوية في حينها ، و يجيئها الصيادون من كل مكان لاصطياد الطيور مثل القطا و الحبارة و الصقور و أيضا الأرانب ، أما الغزلان فيبدو أن الصيد غير المصرح به أدى لانقراضها من الأنحاء منذ زمان طويل .  و توجد أيضا في الحمادة الحمراء بقايا النيازك الساقطة من الفضاء ، و إذا صادفتك بقايا نيزك في أي مكان في العالم يحمل الحروف الأولى للحمادة الحمراء  قبل الرقم المخصص له فهذا دليل على أنه سقط في وقت ما بالحمادة الحمراء ، و التقط من قبل صيادي النيازك هناك .  شهدت الحمادة الحمراء في عصور جيولوجية سابقة أنهارا تجرى على أرضها و كانت تسيل عليها و تغمرها من الجبال الصحراوية جنوبا متجهة إلى البحر في الشمال ، أما الآن فإنها ترتوي من مياه الأمطار الموسمية فقط  ، كما تقطعها الآن مجموعة كبيرة من الأودية ، بعضها يتجه نحو خليج سرت ، و بعضها غربا نحو غدامس و تتجه أودية المنحدرات الجنوبية نحو وادي الشاطئ.  و تمر عبر الحمادة الحمراء روافد النهر الصناعي العظيم الذي يغذى طرابلس و سرت و الجبل الغربي بالمياه العذبة ، و القادمة من جبال الحساونة عبر الشويرف .

hah-map

الحمادة الحمراء  ( تقسيم أدارى قديم )

 جمعتني النية في مشاهدة الحمادة الحمراء مع بعض الأصدقاء من طرابلس و الجبل الغربي و هون و زلة ، الذين شاركوني في رغبة التعرف على هذه القارة الشاسعة التي ندعوها ليبيا و لا يعرف معظمنا إلا أطرافها الشمالية .  و أصبحت هذه الرغبة قابلة للتطبيق عندما عرض أحدنا و هو مربى أغنام من هون و يحتفظ بقطيعه في الحمادة الحمراء على أن يكون مضيفنا و دليلنا للتخييم يومان هناك.    و هكذا كانت هذه الرحلة محل نقاش بيننا منذ منتصف الشتاء الماضي ، و لكن ظروف العمل سمحت الآن فقط للجميع بالاتفاق على موعد موحد .

 

و هكذا شددت الرحال إلى الحمادة الحمراء صباح الأربعاء الماضي .  و  كانت المرحلة الأولى لي هي الذهاب بالطائرة من بنغازي إلى مدينة طرابلس حيث لاقاني الأخوة الآتين من طرابلس في المطار ، و من هناك بدأت رحلتنا بالسيارة عبر طريق ترهونة – بني وليد- نسمة ، و بعدها أخذنا الطريق القادم من مزده إلى القريات جنوبا .   و في القريات قابلنا بقية الأخوة القادمين من الجبل الغربي و هون و زلة ، و انتظمنا في طابور من ستة سيارات وراء مضيفنا لمسافة مائة كيلو متر غربا في اتجاه درج و غدامس ، ثم عرجنا يسارا خارج الطريق المعبد و في اتجاه الجنوب لمسافة عشرين كيلو مترا حيث وصلنا إلى المقر الذي يتخذه مضيفنا حظيرة لماشيته مع الساعة الخامسة بعد الظهر .  أثناء الطريق صادفتنا رياح شرقية اشتدت مع وصولنا إلى الهدف النهائي ، و لعدم وجود أية عوائق أصبحت عملية نصب الخيمة عملية شاقة استغرقت ساعتان من الزمان ، و كما يقال البركة في الشباب !  ثبتت الخيمة بالأوتاد الأرضية ، و أحاطت السيارات في دائرة حول الخيمة لدعم التثبيت بحبال إضافية تربط بهياكلها ، كما ردمت السواتر الأرضية بالتراب لمنع الرياح من الدخول للخيمة .  بعد نصب الخيمة أصبحت الأعمال الأخرى سهلة ، و هكذا ذبح و سلخ الخروف الأول ، و قطع اللحم ، و اعد العشاء مع بدء سقوط المطر ، الذي اشتد مع منتصف الليل مع رياح شمالية قوية .

 

161_6118

الخيمة مدعومة بالسيارات مع الأوتاد 

 

استيقظنا صباح اليوم التالي على سماء مغيمة و استمرت رخات المطر في النزول و لكن الرياح أصبحت أقل شدة من اليوم السابق .  تجولت بالقرب من الخيمة و ما تراه أمامك يصيبك بالذهول ، فعلى مرمى البصر و حتى الأفق و حواليك من جميع الجهات يمتد أمامك فضاء لا متناهي لا يعوقه شئ حتى تتحد الأرض بالسماء .

هنا لا ترى أمامك جبالا و لا تلالا و لا كثبانا رملية ، و لا أية عوائق من صنع البشر مثل خطوط الضغط العالي و لا أبراج لبينانا و لا المدار للاتصالات .  هنا سكون مهيب ، و هنا معدل التلوث بكل أنواعه يساوى صفرا . هنا الأرض مغطاة بحصى يميل للون الأحمر الغامق ، و رغم استوائها الظاهري الذي يبدو للعين لأول وهلة  فانك تكتشف وجود فراغات مسطحة ذات انخفاض نسبى قد تكون مساحتها مابين الأمتار و مئات الأمتار المربعة ، و تبدو كالرقع الخضراء وسط الحصى الأحمر .  هذه الرقع تتجمع فيها  مياه الأمطار و ينبت فيها العشب و نباتات أخرى ، و تجد فيها زهورا ذات ألوان بيضاء و صفراء و وردية .

 

161_61321

منظر عام تبدو فيه البقع المعشبة

cimg1975

حصى أحمر غامق اللون

cimg1926

نبات مزهر

ذكر لي مضيفنا بأن سقوط المطر لو استمر لمدة خمس ساعات متوالية فان هذه المساحات المنخفضة ، و تدعى قرارات مفردها قراره ، ستصبح بحيرات صغيرة لان معدل رشح الأرض منخفض جدا .  بعد الظهر هدأت الرياح ، و توقف سقوط المطر و أصبح في استطاعتنا التجول في الأنحاء على القدمين مع مراعاة المحافظة على جعل نقطة المركز ، أي رأس الخيمة ، في مرمى النظر و إلا كان التيه نصيب من تغيب عن نظره .  وجدت الكثير من نبتة لرقا في الرقع الخضراء و لكنى لم أجد ترفاسة واحدة فالمطر غير من تضاريس الأرض و إذا كانت هناك تشققات سابقة ، و هي التي تدل على وجود الترفاس تحت السطح فان المطر محاها.

هدأت الريح مع حلول المساء ، و تمتعنا بليلة صافية تحت قبة سماوية جبارة مملوءة بالنجوم  ، و لو أن درجة الحرارة بقيت منخفضة .

بشر صباح يوم الجمعة بيوم مشرق جميل قضيناه في التجوال بالسيارات مع خبيرنا الصحراوي راعى الغنم السوداني ، و رأينا الكثير من قطعان الماشية و الإبل ، و عدة مخيمات لعائلات بكاملها قيل لنا بأنهم يأتون خلال موسم الترفاس من المناطق القريبة مثل الزنتان و حتى من الصحراء الشرقية لجمع الترفاس و الاتجار فيه ، أما نحن فقد عثرنا على القليل منه .

cimg1932

تشققات الأرض قرب نبتة لرقا

cimg1935

ترفاسة كامنة في الأرض

cimg1982

ترفاس

بعد تناول وجبة الغذاء بدأت عملية فك و نزع الخيمة و حزم الأمتعة و تحميلها في السيارات استعدادا للرحيل فلكل بداية نهاية ، و كل منا أمامه طريق طويل للعودة من أينما أتى .  الساعة الثانية بعد الظهر شكرنا مضيفنا الكريم و تبادلنا السلام و التمنيات بسلامة الوصول و غادرنا الحمادة الحمراء و فضاءها الفسيح و الحرية و الجمال و السكون الذي توحي به ، و اتجهنا شمالا حتى الطريق المعبد ثم غربا في اتجاه القريات ، و من هناك اتجه بعضنا شمالا نحو سفوح الجبل الغربي و ساحل البحر ، و آخرون جنوبا في اتجاه الشويرف و من هناك شرقا إلى الجفرة و الهاروج .

cimg1966