في زمن أخر كانت المدينة القديمة بطرابلس تعج بسكانها من عرب ليبيين و غيرهم .  كانت أزقتها الضيقة ممتلئة بالحياة و نداء الباعة الجوالين و أصوات النساء و صراخ الأطفال أثناء لعبهم ، و كان هذا الحيز الضيق مساحة و الكبير بإنسانيته يشع بهجة و حيوية .  و كان السمك من الوجبات الشعبية السائدة بين سكانها ، و إذا كنت تسكن في الحارة و أردت شراء السمك طازجا من مرسى قوارب الصيادين الصغيرة بباب البحر فانك ستعبر شارع الاكواش و تمر بجامع قرجى الكائن على يمينك ، ثم يملا نظرك ذلك  الأثر الهائل المدعو مخزن الرخام، و لعلك تنظر منبهرا إلى ضخامته و بدهشة و عجب إلى النقوش التي تحيط بأعلاه ، ثم تمر بجامع سيدي عبد الوهاب الأنيق في طريقك للمرسى.  عرفت فيما بعد بأنه يدعى قوس ماركوس أوريليوس ، الذي كان أمبراطورا رومانيا في القرن الثاني الميلادي أيام كانت روما تحكم البحر المتوسط بضفتيه ، و أنه بني تكريما له أثناء فترة حكمه، و أن أبواب القوس تمثل الاتجاهات الرئيسية لأبواب مدينة أويا الفينيقية التي سبقت مدينة طرابلس الرومانية ، كما يرينا مستوى سطح الأرض للقوس بأن طرابلس الغابرة كانت منخفضة بحوالي ثلاثة أمتار عن المستوى الحالي .  و مضى زمن ، و جاء أخر تغيرت فيه المدينة القديمة التي عرفتها ، و غادرها كثير من سكانها ، و هاجرت معهم الأصوات و الروائح و البهجة و الحيوية التي كانت روحها الخالدة ، و لم يبق فيها إلا عبق التاريخ و ذكريات الماضي ، و مخزن الرخام.

cimg2088

القوس  كما يبدو من الشمال ، و وراءه مئذنة جامع قرجى و شارع الاكواش

 

بحثت فيما بعد عن قصة صاحب هذا القوس خصوصا بعد أن رأيته على الشاشة الفضية في فلم المصارع ، و كان رجلا حكيما ، جاء بعده ابن عاق .  و عرفت بأنه مصنف تاريخيا كأحد الأباطرة الجيدين ،و رغم أنه قضى معظم حياته محاربا في أطراف الإمبراطورية فانه خلف لنا اثنا عشر كراسة ضمنها تأملاته الفلسفية حول الإنسان و الحياة و الحكم و الإدارة ، كان المحارب الفيلسوف ، و عرف بطبعه المسالم و التزامه الاخلاقى .

و من مقولاته الحكيمة في التأملات كانت هذه السطور :

– تتركز حياة الإنسان كلها في اللحظات الحاضرة ، و هي في عرض شعرة من عمر الزمان .  فالماضي ذهب بلا رجعة ، و المستقبل ما زال في علم الغيب .  قصيرة هي حياة الإنسان ، و ضيق هو الحيز الذي يشغله على سطح الأرض .

– أبدا صباحك بان تقول لنفسك: سألتقي اليوم بالفضولي ، و ناكر الجميل ، والمغرور ، والمخادع ، و الحسود ، و الانانى ، و هذه صفاتهم لأنهم لا يميزون بين الخير والشر.  أما عن نفسي فقد عرفت أن الخير جميل وأن الشر قبيح ، كما تفهمت طبيعة الشخص الذي يسئ التصرف ، ولن يملك اى إنسان أن يؤذيني ،لأنه لا يستطيع أن يورطني في ما هو مشين . وفى الوقت نفسه لن اغضب من هذا الشخص أو اكرهه ، فبيننا قرابة بشرية ، وفينا نفس النفحة الإلهية .

– الموت كالولادة سران من أسرار الطبيعة ، ونفس العناصر الذي تجمعت لتصنع مركبات الطبيعة سوف تتشتت .  لا شئ في هذا يبعث على الخجل ،و بالنسبة لكائن عنده نعمة العقل فهو ليس نقصا أو عيبا وليس انحرافا عن خطة الخلق .  أنت موجود كجزء من كل ،وسوف تتلاشى في الكون الذي ولدت من مادته . 

الزمن كالنهر ، تيار لا يوقفه شئ لجميع المخلوقات ،فما أن ترى شيئا يحمله التيار حتى يدفعه بعيدا عن ناظرنا ،ويحل محلة آخر وآخر و آخر وهكذا كل بدوره.

– كما يحتفظ الجراحون بأدواتهم و مشارطهم جاهزة في اليد أثناء قيامهم بجراحة مستعجلة ، هكذا يجب عليك بأن تحتفظ  بفكرك جاهزا لفهم ما يحيط بك من أشياء إنسانية أو إلهية ، متذكرا في كل فعل يصدر عنك مهما صغر ، كم هي الصلة التي توحد بين الاثنين .

cimg2086

جامع سيدي عبد الوهاب القيسي ، الفترة الحفصية 1510

مصادر:

الإمبراطور الفيلسوف

التأملات