فى قراءة جديدة لرواية الزينى بركات للكاتب جمال الغيطانى حركت لدى انطباعات عدة أهمها تداخل الأزمنة فى روايته ما بين الماضي و الحاضر ، و العلاقة بين السلطة و رجال السلطة ، مع تناوله لمفاهيمنا الشائعة عن القانون و رجاله فى الإطار العام للسلطة التي تحكم المجتمع ، و كانت هذه بعضا من هذه الانطباعات .

يتناول الكتاب مرحلة من تاريخ مصر جرى فيها حراك تاريخي كبير و كانت انتهاء لعهد المماليك و بداية العهد العثمانلى .  تترائي أمامك في روايته مختلف أطياف المجتمع المصري حينها من طلبة الأزهر و شيوخه ، و الحرفيين و التجار ، و أولياء الله الصالحين – أو المرجعيات الدينية – و أمراء المماليك مع الإشارة  للسلطان – قانصوة الغورى – طبعا و أمير المؤمنين ، الذي يحكم السلطان نظريا باسمه و مباركته .  و  لكن تبقى الشخصيتين المحوريتين في رأى هما الزينى بركات ، و زكريا بن راضى ، فهما محور الرواية و مركزا السلطة .

و لنبدأ بالشخصية الأولى: زكريا بن راضى ، الشهاب الأعظم ، كبير البصاصين في السلطنة ………………

يضيق سجنه الصغير المدفون تحت بيته بالمحابيس ، و منهم من نسى أمره و سبب وجوده بالحبس .  هو عين السلطان و الحكم على الناس ، المطلوب أن يعرف كل كبيرة و صغيرة في القاهرة و كافة الديار المصرية ، مهووس بمعرفة أسرار الناس من عامتهم و خاصتهم .  لكل شخص صفحات مخصصة في دفاتره تسجل فيها كل المعلومات عنه ، حتى خادم المسجد أحمد بن عمر يحويه هذا الدفتر ، و عندما أصبح أحمد إماما للمسجد و تزوج امرأة حبشية انتقلت المعلومات عنه إلى قسم أخر من سجلات الارشيف .  و بلغ به الهوس لمعرفة الأسرار أن تجرأ على خطف غلام أثير على السلطان لمعرفة أسرار السلطان نفسه .    و في تعريفه فان البصاص المكين هو : ” عبارة عن أذنين و عينين ، يسمع و يرى ، يحفظ و ينقل ، حتى في ساعات نومه . ”  في اعتقاده بان الهدف من جمع أسرار أناس هو إحقاق الأمن ، و حماية السلطان ، و توطيد العدل بين الناس .

أما الشخصية الثانية : الزينى بركات بن موسى ، متولي الحسبة في القاهرة و كافة الديار المصرية ، فهو شخصية فريدة من نوعها ….

الزينى بدأ عهده في السلطة برفضها بداية ، فهو خائف من الله أن يقع ظلم على إنسان يكون هو سببه بدون أن يدرى بذلك عندما يكون هو مسئولا عن أحوال العباد .  يتقبل الزينى الولاية من السلطان عندما يلح عليه عامة الناس في ذلك مدفوعون بالإعجاب بزهده في السلطة و تقواه في حب الله .

و لكن معلومات كبير البصاصين تفيد بعكس ذلك.  فهو يعرف من مصادره الموثوق بها بأن الزينى بركات دفع ثلاث ألاف دينار رشوة لأحد الأمراء حتى يدعمه لدى السلطان لنيل هذه الوظيفة .

و عندما يتولى الزينى وظيفة متولي الحسبة ( رئاسة الوزارة ؟ ) يبدأ عمله بإرضاء الناس و إحقاق الحق و منع ظلم أمراء المماليك للعامة من الناس ، و تزداد شعبيته لدى عامة الناس .

و بعدها يطلب الزينى بركات من كبير البصاصين الشهاب زكريا بأن يفتح ملف لكل شخص في المحروسة مصر و يخصص رقما له ، و أن يسجل في هذا الملف كل ما يعرف عن الشخص و ما لا يعرف للكثيرين شاملا نواحي القوة و الضعف و الميول الشخصية .

و لان المحروسة مصر تعيش في وقت خطر بسبب تهديد دولة بني عثمان الناشئة في الشرق يتعاظم جهاز البصاصين ، و يرتبط كبيرهم بالزينى بركات بولاء مطلق ، و تكون للجهاز السلطات المطلقة في البلد ، و يوكل السلطان للزينى بركات حسبة الوجهين القبلي و البحري بالإضافة إلى القاهرة .

و بينما تتعاظم سلطة الزينى بركات و معها تتعاظم سلطة البصاصين و كبيرهم تستحدث أجهزة عليا للبص على البصاصين ، أى رقابة على الرقابة ، و أخرى لتتولى كيفية إقناع الناس بما هو غير موجود ، و يتم تطوير طرق التحقيق مع المساجين أعداء السلطان .

و من نصائح الزينى بركات لكبير البصاصين لغرض إشاعة نشر العدالة و إقامة الميزان ما ورد في صفحة 194 :  ” غذا اركب حصانك و دع رجلا من رجالك يرتدى ملابس فلاح ، و أخر من رجالك في ملابس مملوك ، ليضرب الثاني الأول ضربا موجعا ، و طبعا يتصادف عبور موكبك .  هنا ترجل أنت أنصف الفلاح ، و أقبض على المملوك ، و أكثر من أشباه هذا يحببك الله إلى قلوب الخلق .  “

كما كان الزينى بركات صاحب فكرة مؤتمر أو اجتماع عام للبصاصين يعقد في القاهرة و يدعو كبير البصاصين الشهاب الأعظم زكريا بن راضى إليه كبار البصاصين من بلاد المغرب و فاس و الحبشة و البندقية و الهند و الصين ، و ذلك للتعرف على بعضهم بعضا و التدارس و التشاور و تبادل الخبرات فيما يفيد في شئون البص و الأمن .

و في النهاية عندما يكتسح بني عثمان الديار المصرية و يهزم جيش المماليك ، و يبدأ التاريخ في كتابة صفحة جديدة في تاريخ مصر يرتبط الزينى بركات بن موسى بدور جديد مع المنتصرين الجدد ، و يبقى على رأس السلطة محتسبا للقاهرة ، و يخرج  المنادى مناديا في الناس بأن من له شكوى أو مظلمة عليه بالتوجه إليه .

نخرج من الرواية بعدة أفكار أهمها ضرورة أن توفر السلطة – أي سلطة حاكمة – الأمن لمواطنيها ، و لكي تتوصل لذلك لابد أن تعتمد على رجال أمن ، و لكي ينجح رجال الأمن فى إقرار الأمن للمواطن و حماية السلطة لابد لهم من استنباط وسائل لدرء الخطر قبل و وقوعه ، و هنا تبدأ مهمة البص و البصاص .  تغيرت التسمية مع دوران الزمان و المكان ، و لكن تبقى المهمة الأساسية للبصاص هي نفسها من ذاك الزمان حتى أصبح يسمى بوليس سرى أو رجل مخابرات أو أمن داخلي إلى أخر تلك المسميات .  و لا يوجد أي خلل فى هذا أساسا إلا عندما تتعاظم سلطة البصاص و تصبح سلطة قائمة بذاتها ليست لحماية السلطة الشرعية و لكن لحماية نفسها من الناس و من السلطة الشرعية أن تنقلب عليها ، هنا تبدأ الخطورة .  و عندما تصبح سلطة اليصاص أقوى من سلطة القانون فعلى الدنيا السلام ، و فى تلك الحالة فان دعمه للسلطة التى عينته يصبح مشكوكا فيه لان كل جهده يصبح مركزا فى حماية نفسه فقط .

الكاتب جمال الغيطانى كاتب مبدع ، ولد في سوهاج سنة 1945 ، و نشأ في القاهرة في حي الجمالية .  تخرج من مدرسة العباسية الثانوية الفنية بعد دراسته فن تصميم السجاد الشرقي و صباغته ، و عمل رساما .   و بعد اعتقاله سنة 1966 بتهمة الانتماء إلى تنظيم ماركسي سرى لمدة ثلاث سنوات ، اتجه للصحافة ، و عمل كمحرر عسكري لفترة شهد خلالها حرب الاستنزاف و حرب العبور ، و منذ سنة 1985 أصبح محررا أدبيا لجريدة الأخبار و كاتبا بها ، ثم رئيسا لتحرير أخبار الأدب مع صدورها عام 1993 .  كتب أول قصة قصيرة عام 1959 ، و صدر أول كتاب له عام 1969 ، و يعتبر كتابه الزينى بركات من أفضل كتبه .  و تجد بعض أعماله ….. هنا ..