وقعت في يدي مؤخرا ورقة لمقابلة أجراها محمد مختار الساعدى مع الحاج عبد النبي عبد الشافي الرفادى في يناير عام 2008 .  الحاج عبد النبي في التسعينات من عمره ، حفظه الله و متعه بالصحة و العافية، و قد كان شاهد عيان لما جرى من أحداث رهيبة ابتداء من سنة 1929 و هو في الثالثة عشر من عمره لمعسكرات الاعتقال الفاشية في برقة لمنع دعم و عون سكانها من البادية الر حل للمجاهدين بقيادة عمر المختار ، و ذلك بعد أن أكمل غراتسيانى سوره من الأسلاك الشائكة بالحدود الشرقية لمنع أية إمدادات تأتى عبر الصحراء الغربية من مصر .   سبق و أن كتبت في تدوينه سابقة بعنوان “معسكرات الاعتقال” في مدونة “بوابة التاريخ” عن حكاية تشابه هذه الحكاية ، و لكن لاعتقادي بأننا لم نخلد ذكرى هؤلاء الشهداء الذين فقدوا حياتهم بسبب المرض و التجويع و العطش و التنكيل، و الآخرين الذين عاشوها و حملوا أثارها بقية عمرهم ، لم نخلد ذكراهم و لو بلوحة جداريه تكتب فيها أسماءهم في مواقع هذه المعسكرات في عين الغزالة و برسس و المرج و سلوق و طلميثة ، و البريقة و العقيلة، و إيمانا منى بأن كل ما يعرف عن هذه الحقبة يجب أن ينشر و أن يعرفه الناس ، فقد استأذنت من الأستاذ محمد مختار الساعدى مسجل هذه المقابلة و أذن لي مشكورا بنشرها .

 

الحاج عبد النبي عبد الشافي من منطقة القبة بالجبل الأخضر ، و قال متذكرا تلك الأيام الأليمة ، علما بأنه قد تم تبسيط لغة السرد – بدلا من لهجة بادية شرق ليبيا – تسهيلا للفهم ، مع عدم المساس بالمعنى :

 

” تم تجميع المواطنين من منطقة القبة و الجبل الأخضر للمرة الأولى عندما كان عمري ثلاث عشر سنة في الخريف وقت الحرث ، و بعد أن جمعنا تم تفريقنا و قيل بأن الحكومة عفت عنا .  و بعد انتهاء فصل الربيع جاء وقت حصاد الزرع ، و عندها صدر قرار الطليان بأمر الجميع بالتجمع مرة أخرى فى مركز القبة ، و أضطر الناس أن يتركوا زرعهم وقت الحصاد .  أبلغنا بالرحيل من مركز التجمع بالقبة و إلى الغرب ، و حطت بنا الرحلات عند منطقة القيقب .  في اليوم التالي استؤنف الرحيل إلى مفترق الطرق جنوب شحات ، و أبلغنا بأنه على من ليس عنده راحلة أن يهبط إلى ميناء سوسة لينقل في المركب بالبحر .  رحلنا من شحات إلى غرب البيضاء عند سيدي رافع ، و أقمنا ذلك اليوم هناك بينما كان الطليان متوجسين من وادي الجريب  – وادي الكوف – ، ثم جمعونا قرب مسة عشية النهار لسماع بيان هام : ” غذا تدخلون الوادي ، و ربما يكون به العدو ، فإذا حدث شي ما مع الحكومة عليكم ألا تتخلفوا “

في اليوم التالي رحلنا و هبطنا الوادي واحدا وراء واحد .  الترحيل من الصبح و حتى مغيب الشمس ، أول قافلة المرحلين يكون بلغ مكان التوقف و أخرهم يتهيأ لمغادرة مكان الارتحال.  يتم هذا بينما الجنود الأحباش يطوقون المرتحلين و نوقهم و مواشيهم ، و يشعلون النار في الأنحاء ، و هناك كثير من الماشية حاصرتها النار و الدخان و تركها أصحابها يوم عبور وادي الكوف .

حط المرحلون أمام زاوية العرقوب ، ثم استؤنف الترحيل في اليوم التالي و حطينا قبل منطقة الغريب ، و بعدها في منطقة المرج حيث أقمنا ثلاثة أيام ، بعدها نزلنا الباكور نحو برسس على ساحل البحر .

و كانت المناطق التي مررنا بها خالية من الناس فتجد الزرع و تجد مناجل الحصاد بدون حاصدين ، فالناس كلهم قد رحلوا و جمعوا في معسكر اعتقال سلوق .

بقينا في برسس حوالي 15 يوما و لحق بنا آخرون جمعوا عند مرتوبة لا علم لنا بهم إلى أن جاء من قال بأنهم حطوا في أردانو شرق توكرة .  أمرونا نحن المرحلين من القبة بالرحيل إلى أردانو ، و جمعونا مع المرحلين من مرتوبة و لم نكن سمعنا شيئا عن البريقة أو العقيلة .  كانت الإبل تسرح حتى حافة الجبل ، و كان الناس يحتفظون بالكثير من نوقهم و أغنامهم و حميرهم .  و عشية ذاك اليوم غار المحافظية – المجاهدون – على الإبل عند سفح الجبل ، و تبادلوا إطلاق النار مع الحراس ، و غنموا جزءا من الإبل و فروا بها .

و استنكر الطليان كيفية وصول المجاهدين إلى الساحل ، و طلبوا من كل شيخ قبيلة أن يسجل كل أفراد قبيلته ممن لهم أقارب مع المجاهدين – أخ ، ابن ، أب ، زوج –  حتى يكونوا رهائن ، و صدر الأمر بترحيلهم عن طريق البحر .  ساد التوجس و الترقب الخوف بين الناس ، و في صباح اليوم الثاني فر من المعتقل إحدى عشر رجلا من قبيلة العواكلة ممن لديهم قرابة مع المجاهدين تاركين أولادهم و زوجاتهم .

وجدنا قبلنا في طلميثة نجوع من قبائل البراعصة و الحاسة و الدرسة و العواقير ممن لهم قرابة مع المجاهدين .  في طلميثة كان الناس يشحنون في صندوق رافعة الباخرة ، و ينزلون إلى سطحها كل مرة ثمانية أشخاص من الصباح و حتى غروب الشمس .  و ازدحمت الباخرة بركابها ، و من لم يجد مكانا على السطح أعتلى القمرة ، و عند طلوع الشمس رست الباخرة في العقيلة .

المسافة من مرسى العقيلة إلى المعتقل حوالي كيلو مترا ، و وجدنا المكان مسيج بالأسلاك الشائكة يحرسه أحباش من بعيد ، أما من يأمر الناس فهو عربي بسوط في يده و كان هناك ترتيب لعدد من الكابوات – الرؤساء – من العرب كانوا قد بنو خيامهم  ينتظرون وصولنا .  تركنا مواشينا في طلميثة ، و الناس نقلوا فقط خيامهم ، أما من كان معه شعيرا أو قمحا فقد حجزت منه عند النزول في مرسى العقيلة و قسمت تحت نظام الحصص .

جاءنا طليانى يعطى بيانا ما زلت أذكر ما قال ، كأنه يتحدث الآن :

” أنتم محافظية – مجاهدين – و كانت الحكومة تريد قتلكم .  هنا تموتون بالعشرات و لا تخسر الحكومة طلقة واحدة عليكم . “

أو كما قالها بكلامه هو حرفيا :  جاء طليانى يدرس علينا كأنها ها الوقت :

“سياتى ريبيللى ( أي أنتم متمردون )الحكومة كانت تنوى قتلكم و هنا تموتو بالطزازين و الحكومة لا تخسر عليكم اسبيرارى ( اطلاقة ) ”    

 

انتهت شهادة الحاج عبد النبي عبد الشافي الرفادى كما سجلها الأستاذ محمد مختار الساعدى يوم الأربعاء الموافق 23/01/2008 ، مع الاسترشاد بالاستبيان المعد من قبل مركز جهاد الليبيين .

 

استغرقت عملية الترحيل للمجموعة التي كان الحاج عبد النبي عبد الشافي أحد أفرادها ثمان مراحل كانوا يقطعون فيها مسافة 25 كيلو مترا فى كل مرحلة ، و هو كان ضمن المجموعة التي أكملت الرحلة بحرا من طلميثة إلى العقيلة .  و قد استمرت فترة المعتقلات لعدة سنوات ، و بعد إعدام عمرا المختار تم استغلال المعتقلون فى أعمال السخرة لأشغال الطريق الساحلي مقابل فرنكات ضئيلة ، و مع سنة 1934 تم تفكيكها و ترجيع السكان إلى مناطقهم الأصلية .  و تختلف المصادر التاريخية فى ذكر العدد الصحيح للمعتقلين ، و لعل الرقم الصحيح لا يقل عن 70,000 معتقلا يرجح أن نصفهم على الأقل قد قضى عليه فى تلك المعتقلات ، و تذهب بعض التقديرات إلى أن عدد الناجين لم يزد عن 20,000 .

 

cyrenaica

border

beduins

campu

These pictures are from: Libyan Culture website … Here ..

Advertisements