Preview_Cover

العالم مقسم الآن إلى معسكرين .  هناك مجتمعات متقدمة يخضع تزايد سكانها لرقابة عقلانية ، و هي تتمتع بثروات هائلة ، و تسود فيها الديمقراطية ، مع تقدم تكنولوجي يفرز اختراعات جديدة كل يوم .  كما يتمتع سكانها بعمر مديد و رعاية صحية في عصر ذهبي من التاريخ لم تر البشرية له مثيلا من السلام و الحرية و الرفاهية و التطور .

من الجانب الآخر توجد مجتمعات يتزايد السكان فيها بنسبة فائقة مع انتشار البؤس و الفقر و الجهل و المرض حيث نمت مدن أخطبوطية تعتمد في غذاءها على توريده من وراء البحار، وتنتشر فيها بؤر الفوضى و العنف و الاستهتار بكرامة الإنسان .

من جانب نجد الثروة و الحرية و الأمل ، و على الجانب الآخر هناك الإحباط و الظلم و الاستبداد و العنف و التمرد و لهيب الغضب و تسونامى الفوضى الوحشية،  و لا يوجد من منفذ لدى هؤلاء إلا الهروب نحو جنة الشمال .  هناك بشريتان و ليست بشرية واحدة ، و الهوة الفاصلة بينهما تزداد عمقا كل يوم ، و من شبه المستحيل ردمها .

هذه هي الخلفية التي يرسمها لنا الكاتب اللبناني المبدع و الذي يكتب بالفرنسية أمين معلوف إطارا لروايته ” القرن الأول بعد بياتريس ” .

و يخترع جماعة من علماء الأحياء عقارا قادرا على جعل اختيار المواليد الذكور واقعا ممكنا.  و يمنع تناول العقار في الدول المتقدمة و لكنه ينتشر في دول الجنوب حيث ينتشر الجهل و الخرافة و الرغبة في إنجاب أولاد ذكور أكثر من الإناث ، في دول مثل الهند و مصر و إفريقيا .  ينتشر العقار على هيئة ” حبوب فول غامضة ” في أسواق الشرق الشعبية ، و يلاقى دعما قويا من الخرافات و المعتقدات القديمة التي تقول أنها تملك القدرة على زيادة المواليد الذكور و ينتشر استعمالها بين الناس الذين يفضلون إنجاب أبناء ذكور ، و عندما يكتشف عالم فرنسي بعضا من هذه الحبوب فى زيارة لمصر و يحللها ، يكون العالم قد دخل في مرحلة حاسمة وحرجة من تاريخه ، و ذلك لان مفعول هذا العقار نهائي و لا رجعة عنه و لا يوجد عقار مضاد لمفعوله .  و هكذا يتزايد عدد الأبناء الذكور بينما يصبح نقصان الإناث ملحوظا و في تزايد سريع .

قدم أمين معلوف في روايتيه ” ليون الافريقى و سمرقند ” تزاوجا جميلا ما بين التاريخ و الخيال الروائى ، و في روايته ” القرن الأول بعد بياتريس ” رسم صورة جميلة و حزينة في الوقت نفسه ، مستعملا الحب و الرومانسية في ألوانه للوحة درامية للواقع الاجتماعي الموجود في العالم اليوم و الذي قد يصبح واقعا ممكنا لو تخلى العلم عن الوازع الاخلاقى .

ربما كان أفضل ما قيل فى هذه الرواية هو ” أنها رواية تمثل انقسام كوكبنا ما بين جنوب يتداعى تحت الفقر و المرض و الجهل ، و شمال يتذمر تحت ظلال الرفاهية و الرغد ، و ما بينهما يدور لقاء مرعب بين تعصب و مساؤى السلفية من جهة و شرور الحداثة من جهة أحرى .  فهل تصور هذه الرواية نهاية لعصرنا ، أم  أنها رؤية لعالم متغير؟ “

القرن الأول بعد بياتريس ” هي قصة شرسة و حنونة ، مرحة و رصينة ، تستدعى أكثر من تأويل ” ، و لكن عند معلوف فان بياتريس تبقى المستقبل و الأمل لان العالم لن يستمر إلا إذا كان هناك ذكر و أنثى معا ، و أن يسود العدل بين سكانه و لو فى حده الأدنى .