عندما يسافر أحدنا خارج وطنه غالبا ما يقع فى مطب المقارنة و إصدار الأحكام على ما يراه فى الخارج استنادا على ما هو متعود عليه فى بلده ، و هذه هي الطبيعة البشرية.  و بعد تجارب عدة قد يتعود المرء على قبول ما يراه خارج وطنه على أساس أنه يخص أناس آخرين مختلفين عنه فى قيم القياس التي تعود عليها ، قد يعجب بما يراه ، و قد ينكره و قد يقبله على مضض ، و لكن أساسا فهو غير مؤهل للحكم عليه لجهله بالخلفية التي نتج عنها .  مثال ذلك فأن رؤية امرأة شابة تبيع الساندويتشات فى عربة على قارعة الطريق لا يعتبر معيبا فى شوارع تورنتو ، بينما تعتبر رؤية امرأة بنفس السن و هو تستجدى المتسوقين الخارجين من أحد أسواق مدينة بنغازي غير معيب و قد يلاقى ببعض الضيق فقط ، و لكن رد الفعل سيكون مختلفا لو انعكس الوضع فى الحالتين .

انطباعاتي الأولى عن تورنتو التي أراها للمرة الأولى بالرغم من أن هذه ثاني زيارة لكندا فقد سبق لي البقاء فى مدينة كالجاري لثلاثة أشهر فى وقت سابق ، هي أنها مدينة عالمية أي كوزموبوليتان .  فبقدر ما كانت كالجاري انجليزية الطابع فان تورنتو مدينة متعددة الأعراق و الأديان أيضا ، و من هذه الناحية فهي تشبه مدينة نيويورك .   و بينما يتجمع المهاجرون الجدد ( من صينيين و باكستانيين و هنود و إيرانيين و عرب شرقيين ، و من دول ارويا الشرقية ، و بعض الأفارقة ) فى الأطراف ، يظهر الانجلو ساكسون و أحفاد المهاجرين الأوائل  أكثر فى المركز ، و لا يعنى هذا أن هناك أي فرق فى عمارة المدينة و لا فى نظامها أو بنيتها التحتية .  و بالرغم من أن إضراب مستخدمي البلدية – و منهم عمال النظافة – قد قارب الأسبوع الثالث فلا تبدو المدينة فى حالة مزرية فى نظافتها بل أنها مازالت أنظف من مدن أوربية كثيرة .  يشبه مركز المدينة حيث يوجد البرج الشهير لتورنتو مانهاتن نيويورك ، كما يشبه ميدان دنداس ميدان تايمز سكوير فى مانهاتن .  الكل يعملون هنا ، و يعمل شباب المدارس من الجنسين فى الأسواق و المقاهي و مراكز الترفيه ، و بعد ساعات الدوام  تجد المراكز التجارية المتعددة فى المركز و الأطراف تعج بالمتسوقين .  تعدد الأعراق كما قلت أول ما تلاحظه فى هذه المدينة ، و معها تعدد الديانات ، و فى شارع واحد رأيت مسجدا إسلاميا بالقرب من منطقة خضراء ، و بعده كنيسا يهوديا و معبدا بوذيا و معبدا هندوسيا ، و كنائس مسيحية بمختلف أطيافها .  يتمتع الجميع بالحرية فى مزاولة دياناتهم ، و فى التشدد أو التساهل فيها كما يشاءون .  و الخط الأحمر يبدو كأنه خط التماس مع مزاولة الأخر فى حريته ، و هناك يتدخل القانون بحزم و قوة ، و احترام القانون واجب مقدس من الجميع ، و المساواة أمامه لا تساهل فيها .  و نجد هنا تقديرا خاصا تدعمه قوانين عدة لكبار السن ، و مزايا خاصة يتمتعون بها ، كما تظهر التسهيلات المرتبة للمعاقين بارزة فى وسائل النقل و الأسواق و مراكز الترفيه و غيرها.  و المثير للإعجاب حقا هو ملاعب الأطفال المنتشرة فى كل الأحياء ، و الاهتمام باحتياجاتهم عند الدخول للاماكن العامة .  و تبدو سهولة الإجراءات واضحة فى معاملات المصارف و الاتصالات ، و اقتناء شفرة هاتف خليوى لن تأخذ من وقتك أكثر من دقائق ، و كل ما عليك هو أن تذكر اسمك – بدون إبراز جواز السفر – و دفع الرسوم.

تستقبل كندا حوالي 150 ألف مهاجر سنويا ، و لا تبدو لي متأثرة كثيرا من الأزمة المالية العالمية الحالية فعمليات البناء لناطحات سحاب جديدة قرب برج تورنتو لم تتوقف عن الاستمرار ، و إن كانت هناك تأثيرات فهي ليست ظاهرة للسطح .