فى عام 1965 كان هناك رجلان لا يعرفان بعضهما ضمن ركاب سيارة أجرة على الطريق من بنغازي الى القاهرة .  توقفت السيارة أمام أحد مطاعم مدينة درنة و نزل ركابها لتناول الغذاء ، و حدث بالصدفة أن جلس رجلانا على منضدة واحدة .  كان مع الأول كتاب ” أبيات ريفية ” لعبد الباسط الصوفي ، فأبدى الثاني ملاحظة حول الكتاب قائلا بأنه كتاب جيد و كان ينوى قراءته .  رد الأول بقوله بأنه كتاب صعب ، و لكن الثاني أخذ يقرأ عليه قصيدة ” مكادى ” التي يحفظها عن ظهر قلب .  كان صاحبنا الأول هو الشاعر على الفزانى و كان صاحبنا الثاني هو الصادق النيهوم ، و هكذا بدأت صداقة فريدة بين الرجلين استمرت عقودا من الزمان .

توجه على الى القاهرة ، و مكث الصادق فى الاسكندرية .  و بعدها لحق الصادق بعلي فى القاهرة و بقيا معا ثمانية عشر يوما .  عرض على بعضا من قصائده التي لم ينشرها بعد على الصادق ، و نصحه الصادق بعدم المجازفة بنشرها أو طبعها و بالاستمرار فى تسجيل أفكاره شعريا و القراءة لمدة عام آخر ، و يبدو أن على عمل بالنصيحة .  تحدثا عن هيمنجواى و باسترناك و جوركى و بوشكين و توفيق الحكيم و طه حسين و البياتى .  و بعد عام آخر التقيا مرة أخرى فى القاهرة ، و بعدها ظل الاتصال بينهما قائما بواسطة البريد .  كانت للغة قيمة كبيرة عند الصادق ، و استفاد منها على الفزانى عند عرض قصائده عليه .  و عندما طبع الفزانى ديوانه الأول ” رحلة الضياع ” كتب الصادق مقدمته .

كان الرجلان – رحمهما الله – من العلامات الفكرية المضيئة للواقع الثقافي الليبي خصوصا فى الستينات و السبعينات .  و كان للصادق صولات و جولات مع واقع الجهل و التخلف الاجتماعي فى بلدنا ، و لعله الآن أكثر انتشارا خارج ليبيا منه داخلها .  أما على الفزانى فقد ترك لنا شعرا بهيجا صاخبا و نابضا بالحياة و مميزا بجميع المقاييس ، أليس هو القائل :

لست أفاقا … و ما كنت مغامر

يستحيل الزيف فى كفى أساور

و اللالى فى طريقي … فى كفى تثناتر

أنا أبن الكوخ … طفلا و شبابي

و شبابي للمنابر

قلمي … و الصفحة البيضاء زادي و المحابر

فإذا ما اللحن غنى ذات يوم بشائر

فتأكد يا صديقي أن ذاك الواقع رقصي

بين كثبان المجازر

 

المصدر :

صفحة الرواق

جريدة أخبار بنغازي

12/04/2009

العدد 1974