صديقي محمد التميمي يكتب حول حكايات التراث الشعبي .  محمد لا يؤمن بالرسوم المستوردة و المعلبة للأطفال و يعتقد بأن تراثنا غنى بحكاياته الجميلة التي يجب أن نعيد إليها الحياة عن طريق كتابتها من جديد بلغة جديدة تتماشى مع العصر الذي نعيش .  و هو لازال يذكر الحكايات التي سمعها أيام طفولته فى طبرق و التي تبدأ على منوال ” كان يا مكان فى زمان غير هذا الزمان و مكان غير هذا المكان فتى يدعى ………. صارت له سيرة مع بنت خاله ………. نحكيها الى أن يدركنا الأوان فننشغل بجلب الشياه و إرضاع الجديان …………….. الخ ” .  محمد أعطانى نسخة من مسودة الحكاية لكي أقرأها فوجدت عجبا .  انه يعيد صنع الحكاية من جديد ، أنه يفرز و يخلط قالبا جديدا و كأنها تقوم قائمة تنبض بالحياة فى وصف كأنه لحكاية من حكايات الغرائب مع لمسة للغة جبران مع أنه كما قال لي لم يقرأ لجبران .   و لكن يجب علينا أنه ننتظر فهو ليس جاهزا بعد .  محمد قرأ لي قصيدة أخرى من تأليفه استوحاها من أحداث غزة و العراق بعنوان ” مسبحة و عين و مسطرة ”  مكتوبة على نسق الشعر المرسل الحر.  القصيدة لم تنشر بعد ، و قد استأذنته فى نشر أسطرها الخمس الأولى ، التي تقول:

سبحته فى صبحه و ظهره و عصره

سبحت فى عشائه و شفعه و وتره

أيقنت علمه بالحال ، سره و جهره

و هواني على الناس ، من أسلمه أو كفره

لا علم إلا ما علمتني ، أعطيتنى عينا و مسطرة

أرجو أن تنشر القصيدة كاملة قريبا ، و لكنى هنا لست بصدد نقدها أو الدعاية لها ، فالقصيدة ستخبر عن نفسها ، و هذا يكفى .  فى الواقع أوقفتنى أخر كلمتين من سطرها الخامس ” أعطيتني عينا و مسطرة ” و هذا ما سأحاول أن أتحدث عنه .  خلقنا الله سبحانه و تعالى مزودين بحواس هي وسائطنا التي ندرك بها العالم الخارجي ، و بعقل يحاول تفسير هذه المدركات و تأثيراتها على العالم الخارجي و الداخلي .  لم يضع قيودا أو حدودا بل زودنا برغبة فى النفس لمعرفة كل شئ عن طريق الاكتشاف و الاختيار لما ينفعنا و البعد عما يضرنا عن طريق استعمال العقل .  فلم التقوقع و الجمود الذي يحيط بنا و يكبلنا بأغلال من حديد ؟  أليس العلم التجريبي و التفسير العقلاني الذي يلازمه هما أساس تقدم الشعوب ؟  ألم يكن المسلمون يوما ما أمة متقدمة يوم كان العلم مضيئا نبراسه بلا قيود ؟  ألم يكن الاجتهاد مسموحا به لما هو فى صالح المجموع ؟  لماذا ركنا الى التواكل و الخرافات تحكمنا الأساطير و الغيبيات ؟  ألا يدل واقعنا الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي على وضع يسود فيه النفاق و أوهام المظاهر التافهة ، و توقير العظمة المؤلهة لغير الله ، و النهب المنظم لمواردنا بغير حساب ؟

فى زمن سابق عرف أسلافنا طريق المعرفة فسلكوه ، و أنتشروا شرقا و غربا و دانت لهم الدنيا ، و كان لهم السبق على العالمين .  نقبوا فيما كتب الأولون و ترجموه الى لغتهم ، و زادوا عليه من علمهم و اجتهادهم و سعيهم الحثيث الصبور .  هؤلاء هم من صلب القلة التي غلبت كثرة ، و من لبوا امرأة مسلمة ندهت ومعتصماه من بلاد الروم ، و من استقبل شارلمان سفراءهم بكل تبجيل و احترام ، و من علموا رهبان أوربا فى جامعات غرناطة و قرطبة .  و جاء زمن أخر انقلبت عليهم فيه الدنيا بعدما ركنوا للكسل و الخمول العقلي و إيقاف باب الاجتهاد ، وظنوا أنهم باقون فكانت النتيجة أنهم خسروا دينهم و دنياهم و بقيت الدنيا للآخرين .  و امتد عليهم زمن مظلم يعد بالقرون عشعش فيه بينهم الجهل و ساد الخوف و المسكنة فى نفوسهم ، و أصبح اللجوء للغيبيات و اللامنظور ديدنهم فيما يفعلون ، و سجنوا أنفسهم فى سجن كانوا سجانيه .

دار الزمان و جاءنا مصلحون عاقلون زودهم الله بنور من عنده أزالت عنهم غشاوة الجهل و الظلام منذ مائة سنة أو تزيد .  و منهم من رأى الدنيا بالعين و العقل ، و تجرأ أحدهم – و لعله محمد عبده – بأن لاحظ قائلا بعد زيارته لبلاد النصارى بأنه وجد أسلاما و لم يجد مسلمين .  يقول التاريخ بأن دوران الحضارات أمر حتمي ، و قال ابن خلدون بأن لكل حضارة أفول و لو بعد حين ، فهل انتهى دورنا و أجتهد الآخرون ؟  خرجنا من التاريخ و مازلنا خارجه متفرجين ، و أحلامنا لا ترقى عن الوصول لاحتياجات الحياة الأساسية ، و إن زدنا حلما فبشراء المنتجات التي تأتينا من اليابان و ألمانيا و ممن يصنعون .

تقدمت أجناس الأرض من بيض و صفر و حمر تقدما علميا و اقتصاديا بشكل لم ير الإنسان له مثيلا من قبل ، و مازلنا لمكاننا مراوحين .  هل تغير الزمان ، أم تغيرنا نحن ، أم تغير كلانا و نحن غير واعون ؟  هل أصبحنا مسخا لماض مجيد ؟  أم أننا سننهض يوما من جديد إن عرفنا الطريق ؟  هل سنرجع يوما لتحكيم العين و المسطرة ؟

و لنا عودة للقصيدة مرة أخرى إنشاء الله .