جاءتني من الصديق محمد التميمي ورقة بعنوان ” ألف سنة و سنة ” .  و أنا أرى أن هناك الكثير من تراث ألف ليلة و ليلة مازال يوجد فى ثقافتنا و ذاكرتنا الجماعية ، و لعل حكايات الأساطير ما زالت لدى الكثير منا متداخلة مع الواقع ، و لكن هل تغير الزمان ، أم الزمان هو الزمان ؟  و لنر ماذا تقول الورقة …..

 

يجد جواري حسناوات حوله وفاكهة وشراب. ينتبه لواحدة منهن شغلته، يقربها ويؤثرها فيتغاضي عن دلالها و يقبل حيلتها فيما تشاغله بعجيب القصص وغريب الحكايات. هكذا ليلة بعد ليلة وإلي أن يدركها الصباح فتسكت عن الكلام المباح.

صار ينتظر الليل الذي يجمعه بها، ثم أنه قبل أن تجعل من حكاياتها مسافة بينهما لم يشأ اجتيازها, لكي لا يفرط في شغف لم يكن عرف شغفا مثله. بقيت ممسكة بحساب الليالي تحتمي خلفه، ولم يعد هو مهتما بحساب.

خارج هذا القصر يا مولاي و كذلك في داخله، ظل الليل و النهار – كما عهدناهما – يتعادلان حينا و يتفاوتان حينا إلي أن جاء زمن اختلف فيه الحال. صار الليل يأخذ في الطول و يأخذ النهار في القصر فما عادا أبدا إلي اعتدال. غلب الليل النهار غلبا كساه وعمه حتى لم ير الناس فائدة في أن يصحوا بينهما و آثر بعضهم نوما و آثر آخرون انتظار.

ثم جاء وقت كان علية القوم هنا في القصر قد ملوا من صحبتنا، وكنت المح بعضهم نياما بعض الوقت و آخرون يصحون بعض الوقت. وكأني بهم يتناوبون فيتوارى نفر منهم ويحضر – علي هيئتهم – غيرهم آخرون. لعلهم كانوا ينتظرون صباحا وما علموا ما استجد علي الليل من طول و ما حل بالنهار من قصر. لكن الناس جميعا كانوا في نومهم يتناسلون و بنسلهم تزداد رعيتك و تأمرهم فيطيعون.

لم تذكر الجارية شيئا عن الجنيات و العفاريت و المردة المسحورين، وأحب شهريار أن يكون ما تقوله لونا جديدا من الحكايات أو مزحة و دلالا. غير أنه ساوره بعض انزعاج فشاء أن ينظر من شرفة القصر ثم التفت إليها و قال:

لا أري الناس خارج القصر نياما وهاهم يسعون كما اعتادوا أن يفعلوا, ولست أظنهم سائرون في نومهم ولا أري فيهم مردة مما تذكرين وليس بينهم جنيات ولا شياطين.

أسر في نفسه بعضا مما رأى, فأمسك عن ذكر أنهم كانوا علي اختلاف هيئتهم يتشابهون فيما يفعلون. يعيد أحدهم فعل ما يفعل الآخر و يسير في وجهة خلاف وجهته. عندما يتقابل أحدهم مع غيره، يهم به مسلما و معانقا ثم أنه يودعه كأنه راحل حينا من الزمن. وإذا ما التقيا بعدها بقليل، سلما و تعانقا وودع بعضهم بعضا.

يعود شهريار يسأل الجارية:

تعلمين أن حيلة الحكايات والجنيات لم تكن لتنطلي علي، لكني أردت أن أخصك بشيء يميزك عن غيرك وودت أن أعطيك وقتا لكي تعرفينني كما لم يعرفني الآخرون. رأيت – فيما لا تدركين من شؤون الحكم – فائدة تناقل حكاياتك بين الناس فيتسلون بها، يهابون العفاريت فيها وبالجنيات ينشغلون.

وكأنك الآن تقولين أن القوم هنا يتسللون خلسة فيغيبون – دون  إذني – عن حضرتي التي خصصتهم بها، وأنهم يرسلون نسلا لهم في مثل هيئتهم لكي لا أفطن لما فعلوا. فماذا لو كنت أنت كذلك مثلهم تتسللين. من ذا الذي يحضر بديلا عنك، ومتى كنت تقرئينه حساب الليالي ليعرف كم كان انقضى منها وكم لم يزل غيبا.

تقول الجارية أما وقد ظننت ما ظننت و قلت ما قلت، فإن لي ظني. ألم تجرب يوما يا مولاي أن تغيب و يحضر من نسلك من هو علي هيئتك و طبعك فأراه كأنه أنت كما تراني كأنني أنا. ما كنت إلا جارية من جواريك لا علم لي بشؤون الحكم و الرعية ولا يخطر ببالي مثل قولك هذا.

تعلم يا مولاي أنني لا ابتغي لنفسي شيئا غير هناءك، ومنذ كانت غلبة الليل والنهار مداولة بينهما، حين أُجريت علي لساني الحكايات التي تعلمها مما يختلف عن واقع الحال فلا يحتكم لتسبيب ولا ينتهي إلي مآل، ذلك إنما ليرضي مولاي وتأنس رعيته.

ولأنني كنت اختلق أفعال المردة وسحر الجنيات فما صدقت ذلك، وانظر يا مولاي ماذا فعلوا بى و ما حل بحسابي. ألا ترى أنهم قد مسوني بسحرهم فمن يدري يا مولاي ربما كانوا طوال الوقت يستنطقوني فما كان لي في صغري سمر ولا حكايات.

قرر أن يختبر الأمر فخرج من القصر وتخفي في لباس الدراويش واختلط بعامة الناس. استغرب طريقة حديثهم إذ وجدهم يعيدون كلام بعضهم بعض. و إذا حرن لسان أحدهم ذهب إلي آخر واستدان مما يجده لديه من كلام وتكلم به ولا يطالبه سامعه من أين جاء بالكلام ولا من كان صاحبه.

لم يفهم من لغطهم شيئا وعلم أن منهم من اقتعد نواصي الطرقات يتصدق بكلامه علي كل ذي حاجة. شاء قلة آخرون أن ينقشوا كلامهم علي جدار ويجعلون الجدار وقفا عاما لكل من شاء من المارة و العابرين ومنها ما صار مزارا لأناس كثيرين.

تقول الجارية:

لو لم يدر رأسي بسحر صحبتك يا مولاي حتى انقطع علمي بحساب الليالي وكم كانت قد انقضت أشهر وسنين من بعد سنين. لعلك لا تصدقني يا مولاي و لست ألومك فأنت لا تشعر بتأثيرك علي نفسك. أتذكر كم كنت أتهيب وجودي في حضرتك، ما كنت أعلم أنك إنما ادعيت ولعا بحكاياتي لأنك أردتني أن أعرفك وليتناقل الناس الحكايات فيخشون بأس المردة العفاريت و ينشغلوا بالجنيات. و ها هي صحبتك قد أنستني الحساب، فأعجب لم كان علينا أن نهتم للأمر من أصله.

الليل و النهار يا مولاي سمة هذه الدنيا, أما الجنة فليس فيها ليل ولا نهار, فما ضر أي ليلة هذه أو شهر أو سنة أو حتى ألفا من السنين.

تبسم شهريار غير أنه أشاح بوجهه لكي لا تري كم كان مكفهرا وهو يقول لنفسه:  يا ويلي ماذا لو كان قد انقضت قرون!

خر وتداعي، ثم انطوى فزعا وعندما التفت إليها مستنجدا، كانت قد انصرفت، فصاح مفجوعا هلعا: من أكون !. من أكون !.