هل التكنولوجيا سلعة فتشترى بالمال و يمكن استيرادها و توطينها ؟  أم أنها نتيجة حتمية لتطور مجتمع عن طريق نشاط أفراده و جهدهم و تميزهم الفكري؟  و بما أن التقنية شرط أساسي للتنمية فى هذا القرن ، فهل يبقى الإنسان هو العامل الاساسى فى تقدم المجتمع و تطوره ؟  أم أن استيراد الآلات بدون الاهتمام ببناء الإنسان  سيفي بالغرض ؟

أسئلة مثل هذه تناولها أ. د. عبد الجليل أدم المنصوري ، و أ. محمد مختار الساعدى فى ورقة بعنوان ” مشاغل التوطين و التنمية المستدامة بين وهم شراء التكنولوجيا و تكنولوجيا بيع الوهم ” قدمت فى ندوة للتنمية المستدامة عقدت فى مدينة بنغازي برعاية جامعة قاريونس فى شهر يونيه من السنة الماضية . فماذا تقول الورقة ؟  

إلي وقت قریب كان مفهوم ومعنى مصطلح “تكنولوجیا” لصیقا أو مختلطا بمعنى كلمة ” التصنیع” أو المیكنة”، ویبدو أن الناس قد أخذوا أخذا بھذه العصا السحریة ” التكنولوجیا المتقدمة ” High Technology أو تلك التي وجدھا الهنود ملاذا و عافھا كثیرون وھي Relevant Technology  أي التكنولوجیا الملائمة. فانتشرت مقولة عجیبة لمصطلح حاذق ھو Transfer of Technology بافتراض بدا مسلما بھ ، ھو أن التكنولوجیا قابلة فعلا للنقل و الشراء ، ولم نكن في عصر التصنیع السابق قد سمعنا بمصطلح مشابه يقول بنقل التصنيع Transfer of Industry ، بل فقط التوجه الى التصنيع أو الدخول في عصر التصنیع … الخ.

إن العلم و التكنولوجيا ليسا من الكماليات ، و لا يمكن شراؤهما بالمال ، و هما شرط أساسي لتحقيق التقدم .  و إذا كنا نستخدم هذا المصطلح  “تكنولوجيا” بمدلول خاطئ ، أو أننا نستخدمه بمعاني متباينة من جهة ، و نربطه ربطا وثيقا بمساعي و جهود التنمية و النهضة و التقدم من جهة أخرى ، أفلا يستوجب الأمر أن ندقق فى معناه و نقر له بمدلول محدد و موحد !  و أذا كان التصنيع مثلا ، هو صناعة الآلات و المعدات ، و الميكنة هي تطبيق و تعميم استخدام تلك الآلات و المعدات بحيث تشغل بعضها البعض ، فما هي هذه التكنولوجيا إذا؟

تقول الرواية المتواترة عن بدايات الإنسان الأولى مع الآلات و الأدوات أن أولى الأدوات التي أتيحت له هي يداه ، و أنه فطن لإمكانية استخدامهما و تيسر له ذلك بعد أن انتصب عموده الفقري فأعتدل واقفا ، و اكتفى بقوائم اثنين للحركة فتحررت أطرافه الأمامية – يداه – و أكتشف لهما استخدامات لم تنته بعد !

لعل العودة الى تلك الحادثة الموغلة فى القدم ، و إن لم يكن مقطوعا بصحتها ، ربما كانت مناسبة لتحديد مدلول مصطلح ” تكنولوجيا ” من جهة ، و هي مفيدة لتأسيس ذلك المدلول على أولياته الأولى ، بقصد فهم جذور المعنى لكي يتسنى امتلاكه من جهة أخرى .  فإذا ما امتلكنا المعنى الاساسى للمصطلح ، صار بإمكاننا أن نشكل وحداته الأساسية تلك ، و نعالجها فى أذهاننا ، فلا يكون ناتج ذلك التشكيل و المعالجة غريبا على عقولنا ، نلوكه و نجتره فتنقطع أنفاسنا فى ملاحقته فى سراديب التنوع المتسارع للتسميات المستجدة و المتجددة ، لما تنتجه عقول أخرى ، دون أن يكون قابلا لنقل أو شراء .

من المعلوم أساسا ، انه لا مناص للإنسان من بذل الجهد لكي يبقى ، و حتى أولئك الذين لا يبذلون اى جهد – الأطفال و العجزة و المعاقين و ما شابه – فلا بد أن أحدا ما قد بذل جهدا نيابة عنهم ، لسبب من الأسباب و بصورة من الصور.  و إذا ما وجد الإنسان – فى تجاربه و كدحه اليومي للبقاء – أن مجموعة من استجاباته لمتغيرات بيئته قد ثبتت نجاعتها لأغراض البقاء عموما ، أو ثبتت فائدتها فى تحقيق وفر فى طاقته البدنية أو طاقته الذهنية ، فانه يثبت تلك الاستجابات فى ( مظروف سلوكي ) واحد فيعتمده و يحوله الى ( عادة ) .

إذا ما استمرت نجاعة ذلك المظروف السلوكي أو العادات لفترة أطول من جيل أو اثنين ، فانه يكتسب صفة ( العرف ) و قد يرقى – مؤسسيا – بعد ذلك ، فيدون و يصبح قانونا … الخ .  المهم هو تبيان أن السعي للعيش و البقاء يتخذ صورة السعي لتحقيق وفر فى الطاقة البدنية و الذهنية ، اى الاقتصاد فى الجهد العضلي و الاقتصاد فى الجهد الذهني .

إن العادات هي الأفعال التي يتعلمها الإنسان أثناء حياته ، و بصورة خاصة أثناء اعتماده على غيره ، و التي تجعل الحياة أسهل .  و الحق أن العادة هي كبرى قوانين السلوك البشرى .  و لو تفحصنا تصرفاتنا اليومية ، لوجدنا أن معظمها عادات اكتسبتاها بمرور السنين .  و إذا كانت العادة طبيعة ثانية – كما يقول بعض علماء النفس – فانه صحيح أن العادات مكتسبة و أن فى الإمكان – بالرغم من الصعوبة الشديدة – تغييرها و تبديلها .

إذا يصح القول أن العادات هي بداية ( تكتيك داخلي ) لتحقيق وفر فى الجهد الذهني أو وفر فى الجهد العضلي لذلك التكنيك يمكن تسميته ( التقنية الداخلية لتوفير الجهد ) و هو بكلام الحواسيب ، نوعا من أل Firmware أو نوعا من  Default يؤمن استجابة افتراضية لا تستنفذ وقتا يذكر .  أما الآلة التي يصنعها الإنسان منفصلة عنه ، فلعله يصح تسميتها ( التقنية الخارجية لتوفير الجهد ) .

إن المبتغى هنا هو الوصول الى القاسم المشترك الأولى بين العادات و الأعراف و القيم من جهة ، و بين الأدوات و الآلات و المعدات من جهة أخرى ، بقصد تبيان أن الآلة ليست فى حقيقة الأمر شيئا خارجيا منفصلا عن داخل الإنسان ، بل امتداد خارجي لاستجاباته البيئية ، أي أنها مظهر و انعكاس عتادى لثقافته .

تأسيسا على ما سبق ، يظهر أن هناك متصلا أو طيفا واحدا متدرجا ، تأتى فى طرف منه ، الطريقة التي يختارها الإنسان فى استجاباته لبيئته و يثبتها فى صورة عادات و أعراف ، و يقع فى الطرق الأخر – من نفس المتصل أو السلم – ما يبتكره من آلات أو عتاد ، استجابة لتلك البيئة ذاتها .

إذا عدنا للحاجة لبذل الجهد سعيا للعيش و البقاء .  نلاحظ –كما أسلفنا- نوعان من الجهد : الجهد العضلي و الجهد الذهني أو الفكري .  و منذ مدة غير قصيرة – عندما اكتشفت العجلة – فقد عرف الإنسان أن الجهد العضلي قابل للتنميط ، فهو تكراري و منتظم ، و يمكن تقريره سلفا .  لذلك ارتبط اكتشاف نمطيته و رتابته بإمكانية صنع آلة لتتولاه و تريحنا ، فننصرف للنظر فى اكتشاف نمطية و رتابة أمر أخر غيره .

من الممكن تنزيل الورقة بالكامل … هنا