قصيدة كيف ؟  للشاعر السعودى محمد العلى …

كيف الفرار من أنياب التاريخ ؟
كيف الخروج بدون جراح من هذه الكهوف الرابضة فى الدماء ؟
كيف ينضج البحر فيغطى هذه النخيل العارية ،
و البشر المريض بالامال الماضية ؟
كيف القراءة من هذه الكتب المترامية الاطراف بلا جدوى ؟
كيف الفرار من الشعر هذا الذى أصبح لصا حجم الليل ؟
كيف الفرار من هذه الهوية
التى لاتدرى على أى موجة تبنى وكرها ؟
كيف الفرار من هذا الحب السادر مثل سحاب أعمى ؟
كل شى جميل فر الا أنت بقيت تسأل : كيف الفرار ؟

 

الاطلال ثانية لمحمد العلى

كدت أجعل “أمة الأطلال” عنوانا لهذه الحلقة غير أن قلبي تمرد علي وراح يجلدني بأكثر من سوط، بل إنه حاول الفرار من داخلي قائلا: ان إنسانا يصف أمته بأنها “أمة أطلال” لا يستحق أن يكون له قلب، وبعد أن ركضت وراءه متعهدا له بأن أحاول تحسين الفاظي وتهذيب لغتي وأخلاقي رجع إلى أضلعي على مضض.

أنت لا تحتاج إلى أن أشرح لك معنى الطلل في “ديوان العرب” أي الشعر كله قائم على الطلل، ولا أريد أن أكون مثل أبي نواس مزدريا هاجيا للأطلال، فأنا على قناعة كاملة بأن الطلل رمز ثقافي من أجمل الرموز المعبرة عن الحنين والوفاء، إنه شجرة الذاكرة ذات الأغصان المثمرة بالحب وحرارة الماضي الخصيب، ولكني أقول على الفور: إن ذلك كان في الزمن الماضي السحيق، أما أن يبقى الطلل شاخصا في ثقافتنا حتى هذه اللحظة، فهذا ما أقف ضده وما سقت هذه الحلقة من أجله.

“إذا أفلس التاجر عاد إلى دفاتره القديمة”.هذا المثل بواقعيته وقسوته ينطبق علينا تماما، فنحن حين أفلسنا من الطاقة الإبداعية ومن مجاراة الأمم الصاعدة.. ترى ماذا فعلنا؟ لم نتحفز، لم ننقم على أنفسنا. لم نحاول التغيير، بل ذهبنا إلى التاريخ، إلى التراث، وأقمنا منه طللا كبيرا وجلسنا تحته نبكي ما نضب من الأنهر التي فجرها أجدادنا بجهدهم وعرقهم ننتظر مطرا من سراب.والأكثر إيلاما اننا لانزال مقتنعين بأن الأنهار سوف تتفجر من حولنا، دون بذل أي جهد سوى الوقوف تحت ذلك الطلل الكبير ننتظر منه ان يصبح قصورا نسكن فيها ونتجول في حدائقها الغناء، نقطف ما نريد من الثمار ونعيش في “ألف ليلة وليلة”.

و هل إن كان حاضرنا تعيسا نفوز بكون ماضينا سعيدا؟

أما الطلل الثاني الذي أقمناه بمحض إرادتنا فهو عصرنا الحاضر: إن مفكرينا وكتابنا ووعاظنا ومسئولينا، منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن منخرطون في البكاء تحت هذا الطلل: لماذا تأخرنا وتقدم الآخرون؟إننا لابد أن نغير، لابد أن ننهض؟ لابد، لابد.. ونحن “مكانك سر”.

وابك مثل النساء ملكا عقيما

لم تحافظ عليه مثل الرجال

هل هناك طلل ثالث؟

“يا كيف” كما يقول البدو

.الطلل الثالث – رزقك الله سعة الخيال- لم نقمه للبكاء، بل للضحك “طلل الضحك” هذا هو الغرب بكل دولة وشعوبه وتاريخه، فقد أقمنا ورحنا نرجمه بكل الصفات الخارجة عن السلوك البشري السوي: فهو فاسد وبلا أخلاق وبلا ضمير، وهو كان يعيش في الكهوف والغابات، ولا شغل له الا التآمر علينا ومحو قيمنا الأخلاقية والسلوكية وسلب “خصوصيتنا” وأصالتنا الشماء وبعد أن نرجمه بكل هذه الصفات نروح نضحك وننام ملء جفوننا مرتاحين، وكأنه فعلا خلا من الضمير والأخلاق وكل صفة بشرية بيضاء غير سائلين أنفسنا من أين جاء العلم والفن والإبداع والثراء والتقدم لهذا المجتمع الفاسد؟

إن الغرب نفسه لا ينكر صفاته السلبية، بل من الطاقة الحيوية التي فيه هو الذي يعددها ويحاول وضع الحلول لها.كما يحاول الارتقاء الدائم بالصفات الإيجابية التي فيه، ولن يجدينا نفعا أن نضحك عليه ونسخر منه.

هل هناك طلل رابع؟

نعم هناك ولكن

إلى متى نبقى مع الأطلال؟