قصة قصيرة للكاتب الاردنى فخري قعوار

(1)

حتى هذه اللحظة لا أدرى لماذا حدث لي كل ذلك ، و لم اعثر على تعليل مقنع و حاسم يبرر ما قام به الرجل ذو النظارة السوداء من أعمال غير مألوفة ، كما لا أعرف حتى الآن ، كيف احتملت كل إساءاته و أذاه بهدوء و صبر .

(2)

– أأنت الاستاذ “خ”؟

– نعم .

– و تعمل فى المدرسة المجاورة لهذا المقهى ؟

– نعم .  و لكن لم نتشرف بالمعرفة .

– أغلق فمك و أنهض .

– و لكنني أريد أن أعرف الجهة التي  سنقصدها .

– ليس هذا من اختصاصك .

– و هل الذي سينهض شخص غيري ؟

– لا تكثر من فلسفتك الفارغة .

– و لكنني لا استطيع التغيب عن عملي .

– أنا اسمح لك .

– و هل ستخبر المدير بذلك ؟

– سأبلغه بالتلفون .

– ليس فى المدرسة تلفون .

– حقا انك كلب و ثرثار .  انهض و …

– أ ….

(3)

أمسك بيدي ، و وضعها بين أسنانه ، و ضغط عليها بقسوة ، و يده الأخرى تفرك أذني .  ثم كف عن ذلك و أمرني بحمل الصحيفة التي كنت أقرأ فيها و التزم الصمت ، حتى لا نثير انتباه الآخرين الجالسين فى المقهى .

(4)

– ألا نستطيع أن نشرب فنجان قهوة معا ؟

– لا تحاول أن تبدو طيبا .  انهض .

(5)

فكرت بالهرب ، و لكنى وجدت أنه سيجر على مزيدا من الأذى ، و فكرت فى أهميتي التي تجعل هذا الرجل الغامض يقتادني بهذه الطريقة ، فلم أجد ما يستحق اهتمامه ، مجرد معلم غير حائز على الثانوية العامة ، و يدفع عشرة دنانير شهريا لتسديد سلفة بنكية ، و لم يعرف امرأة واحدة فى حياته ، سوى أنه فاز بقبلة من ابنة الجيران الذين انتقلوا الى بيت أخر ، و يواظب على قراءة صحيفة يومية واحدة ، و يدخن صنفا رخيصا من السجائر ، و يجيد الشطرنج الذي يلعبه فى أوقات متباعدة .

و كدت أصرخ فى هذا الرجل الكابوس الذي يسير الى جانبي ، لكن الصوت مات فى حلقي .

و ادخلنى الى شوارع و دهاليز و أزقة و طوابق لا تنتهي ، ثم توقفنا فى غرفة مليئة بالجماجم و الهياكل العظمية و الصور العارية ، و فيها لوحة كبيرة لرجل جليل ذي لحية مفروقة الى شطرين ، و يدخن غليونا ، و يعلق على كتفه بندقية من طراز قديم ، و كل جدار من جدران الغرفة مطلى على شكل رقعة شطرنج كبيرة .

(6)

– أتحب أن تشرب قهوة الآن ؟

– أشكرك .

– أتعرف لماذا جئت بك الى هنا ؟

– لا أعرف .

– كي أسألك بضعة أسئلة فقط .

– أهذا كل شئ .

– نعم هذا كل شئ .

– و لكنك كنت تقدر أن تطرح على هذه الأسئلة فى المقهى .

– كان بامكانى أن أطرح عليك هذه الأسئلة فى المقهى ، هذا صحيح ، و لكنني لن أحصل على الإجابة التي أريدها فى غير هذا المكان .

– ربما .

– لا ، بالتأكيد ، قل لي منذ متى بدأت بمارسة لعبة الشطرنج ؟

– لا أذكر .

– مهنتي أن أجعلك تتذكر .

– منذ أكثر من سبع سنوات .

– و منذ متى بدأت بتدريب زملائك على هذه اللعبة ؟

– لم أدرب أحدا .

– مهنتي أن أجعلك تعترف بتدريبهم .

– ألاعبهم أحيانا .

– أليست ملاعبتهم تدريبا ؟

– نعم هي تدريب .

– و لكنك ستتوقف عن ممارسة هذه اللعبة اعتبارا من اليوم .

– لا .  من قال ذلك ؟

– أنا الذي قال ذلك .

– سأحاول .

– بل ستتوقف نهائيا .

– سأتوقف نهائيا .

– أتحب أن تشرب فنجان قهوة الآن ؟

– أشكرك .

(7)

و حينما خرجت ، كنت أكثر حماسة لممارسة اللعبة ، و لكن بعيدا عن مراقبة الرجل ذي النظارة السوداء .

 

***** الكاتب الاردنى فخري قعوار كان أمينا عاما للاتحاد العم للأدباء و الكتاب العرب من عام 1992 و حتى 1997 ، و قد صدرت هذه القصة ضمن منشورات كتاب فى جريدة  إصدار شهر فبراير 2010 .