أكاذيب جارية في بنغازي

منقول من مدونة جود لجابر نور سلطان

إن لم تتح لك فرصة زيارة بنغازي ،خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر 2-2010  ،فقد فوت على نفسك فرصة تاريخية، لمشاهدة الكذب مشاهدة حقيقية،في أبرز ظهور له منذ فترات طويلة.   لا نغمط متعهدي الكذب حقوقهم و ندعي غياب الكذب و عدم توافره في مدينة بنغازي خلال السنوات الفائتة، فهذا مجانب للحقيقة، و إنكار بيّن لجهود جهابذة الكذب و حرصهم على وجوده في متناول الجميع، وثمة نقطة مهمة يجب التذكير عليها ،ألا وهي حرص صناع و وكلاء الكذب على توافر الكذب بكميات كبيرة، وضخه بشكل يومي فلا يكاد المواطن من سكان تلك المناطق أن يفقده.لكن الكذب هذه المرة كان ظهورا باذخا أقرب إلى كرنفال ، كرنفال للكذب، لا يستطيع ناقد أن ينقده، فقد برزت فيه مواهب نادرة ،و ظهرت قدرات فائقة، تؤهل لمنافسات عالمية.

كميات هائلة من الكذب تفاقمت بسرعة هائلة،و توزعت بكرم زائد على الشوارع و الميادين، والأشياء التي كنا نظن أنها غائبة أو مغيبة  عن أذهان من يتولى الأمانة و المسؤولية، وجدناهم يستعينون بالسيد الكذب لإنجازها،فالأشجار البائسة المشعثة المنتشرة من دون عناية استيقظت فجأة مذعورة على وقع المقاص التي تخترق فروعها، و تقلم أغصانها و الفرشاة التي تضرب ساقها، توشوشت الأشجار العتيقة تحت وقع الذهول متسائلة ما الذي يحدث؟ و من هؤلاء و ما الذي ذكرهم بنا؟.

ومن واقع أعمارها المتقدمة ،وما تحتفظ به ذاكرتها ،أدركت الأشجار أن أولئك الذين يحاصرونها ليسوا متخصصين .  ما حدث للأشجار حدث لمجمع سكني كامل أكلت عماراته المبنية من عقود الرطوبة، تشققت جدرانها،و بدت كئيبة حزينة لعدم وجود صيانة حقيقية لها، هي أيضا ذعرت و انتفضت بما تبقى لها من قوى و هي تحاصر في ساعات متأخرة من الليل بسقالات و هرج و مرج وصخب ،و إصرار على تزويقها على الرغم من تشبعها بسيول من الرطوبة عبر عشرات السنين،

حالة الذهول المشوب بالذعر انتابت أيضا أعمدة الكهرباء، في عدد من الطرق الرئيسة المسكونة بالظلمة منذ سنوات طويلة، و أخذت تقرص نفسها و تفرك عينيها، لتتأكد أن ما تشاهده واقع، وأن هذا السلم الذي على الرغم من تطوره لم تزل تذكره – يلتف على قامتها حقيقة.

الأرصفة المهجورة المتربة ،الطرق عديمة الملامح والتخطيط ،الجزر التي أنفق عليها الملايين و كثير منها أهمل ، الجميع عاش حالة من الذهول ،شباب يحملون  “علب الزواق والفرش ” و يخططون الطرق بطريقة عشوائية، وسط السيارات المنطلقة، ليس هذا فحسب ،بل و العهدة على الراوية أن لتخطيط الطرق نوعا معينا من الزواق بمواصفات عالمية،و ليس هذا الذي تم التحايل به.

مظاهر عديدة تجلى فيها الكذب، و سجل حضورا طاغيا و كان بإمكان الناس مشاهدته على مدار الساعة ، فوق عامود كهرباء،متسلقا شجرة، متمشيا على شاطئ مهجور، يخطط طريقا متربة، يصر على تزويق عمارة مائية.

ونؤكد كي لا نبخس أحدا من منتجي الكذب، أو مروجيه حقه، فإن الكذب كان موجودا و منتشرا ، لكنه لم يأخذ هذا الشكل الكرنفالي، و للحقيقة أيضا لا بد من ذكر محاولات مستمرة لتطوير الكذب، عبر السنوات الفائتة و الاستفادة من التقنيات الحديثة خاصة اللافتات الملونة الكبيرة المذهلة التي كان لبنغازي نصيب الأسد منها، عديد المشاريع الملونة المزركشة تصدرت المواقع المهجورة،منها على سبيل المثال لا الحصر مشروع الشاطئ الشرقي لمدينة بنغازي عمره ربع قرن أو يزبد كلفت مخططاته الملايين في منتصف السبعينيات ليشكل نهضة حقيقية في بنغازي، لكنه للأسف لم يتم، منذ عدة سنوات جاءت اللجنة الشعبية كاملة إلى بنغازي ووضعت حجر الأساس لعدة مشاريع من بينها مشروع الشاطئ الشرقي،حينها كنت أعمل في موقع جليانه و كتبت مقالا بعنوان ” الحكومة تحيي الأموات في بنغازي ” و كنت أقصد المشاريع الديناصورية في بنغازي، رافق الزيارة حضور متطور للكذب حضور ملون ببروز لافتات ضخمة تعلن عن بدء تنفيذ تلك المشاريع.  لأشهر قليلة صمدت ثم ذهبت مع الريح.  بعضها لم تزل خرق منه تلوح في الهواء.  ومما يحسب أيضا في ميزان التطور تلك السياجات الهائلة و الجدران الحديدية العازلة التي أخذت تنتشر على مساحات هائلة يتصدر بعضها لافتات من ذلك النوع الذي تحدثنا عنه.

لا أريد أن أسهب في الحديث عن هذا الكرنفال، على الرغم من تناولنا التهكمي للموضوع إلا أنه يثير المرارة و يشعر بالحزن و الأسى ،أن تصل الأمور من البعض إلى هذا الحد من الإساءة و تغيير الحقائق والتلفيق.

هذا البلد طاهر مضمخ بدماء الشهداء ليس بحاجة إلى حملات نظافة وهمية ، وساطع بأرواح المجاهدين، ليس بحاجة إلى مصابيح “مضروبة” و زاه بفنونه وثقافته ليس بحاجة إلى أزوقه مغشوشة.هذه المدينة خضراء متشحة بالثورة و ببيانها الأول ليست بحاجة إلى نجيلة مزيفة.

لقد خصصت المليارات، لكنها نهبت في وجود ثقافة مقيتة مسيطرة، تبيح السرقة و الغش و الرشوة.،و الاستغلال .  تنتج بشكل يومي ظواهر خطيرة تضعف الانتماء للوطن بقيمه الأصيلة وتنال من الانتماء للثورة بقيمها النبيلة. تنمي الأنانية البغيضة.

نحن بحاجة إلى مراجعة صريحة جريئة لكل أركان و أسس وقيم منظومة المفاهيم في ليبيا، على شريعة من الثوابت و الركائز و الخيارات الإيجابية الحقيقية.

نحن بحاجة إلى محبين حقيقيين متفانين في حب ، ليبيا لسنا في حاجة إلى موظفين بعقلية روتينية.

أراهن على صديقي الأنيق الفنان التشكيلي الجميل المستوحى لوحاته من الصحراء الليبية و تجلياتها، محب الأوبرا و السيمفونيات العالمية، محب الهوية بكل تفاصيلها، و أعلن أن لدي مصلحة حقيقية فيه مصلحة بحجم الوطن، و بحجم الحلم بغد يليق بهذا البلد و بتضحياته و إسهاماته الإنسانية، في الماضي و الحاضر.  أراهن على محبين حقيقيين نزيهين.

كي لا نرى لاحقا كرنفالات للكذب علينا أن نعيد تقييم و تقويم علاقتنا بالوطن و بالثورة ، بعيدا عن الكذب والغش و الخداع.

على الرغم من كل هذا يجتاحني تفاؤل لا حصر له في مقدرة هذا الوطن و ثورته على نسج خيوط فجر ضاف بالطهر و بالنور و بالفرح و السعادة. كي يختفي الحزن و الإحباط من أعين الشباب لينخرطوا في برامج حقيقية و مشاريع تنموية تحترم قدراتهم و تعيد إليهم أحلامهم المنهوبة. لتخرج من جيوبهم أقراص الهلوسة لتضع مكانها بذور الأمل، و تنزع من أوردتهم حقن الهرويين وتبسط عليها راحة السكينة و الطمأنينة، لتنتشل المغرر بها الفقيرة من براثن الدعارة ،وتوشحها بوشاح العفة، لتنقذ أرملة الشهيد من مخالب أنصاف الرجال الذين يساومونها، وتهيئ لها عيشا كريما، لتحفظ ماء وجه شيخ يستجدي مدير المصرف خمسين دينارا “ع الحمر”.

نحن بحاجة إلى من يعيد إلينا الوطن المهرب في دهاليز الصفقات،و خفايا المخططات، و فناءات و” مسابح الدارات، ومسارب الحسابات،و المزادات و المضاربات.

نريد للافتة “أعمال جارية” أن تكون أعمالا كاذبة أعمالا و وهمية غير حقيقية.