You are currently browsing the category archive for the ‘عام’ category.

Advertisements

وجدتـُني من حيث لا أدري ، في حديقة الاستقلال ، فلا أعرفُ متى خرجت ، و لا كيف وصلت إليها ، جالساً لوحدي ، و بجانبي علبة ( بيبسي ) مطعوجة و مُطجـِعة على جانبها ، فتذكرت بأنني أول ما خرجت ، قد ألفيتها عند عتبة دارنا فارغة ، فركلتها ( طااااااااف ) – و أصابعي العشرة حتى البراجم في جيبيّ – و توالت الركلات ( طربااااااااف ) جاعلاً في كل مرة ( ركلة ) نقطة توقفها نصب عينيّ ، و هكذا رافقتني من البركة حتى البلاد ، و عند الرصيف المُقابـِل لجامع الحسابات ، قابلتني لافتة ( السفير ) – التي يلتهم قائمها ثلاثة أرباع الرصيف – مكتوبٌ عليها : ( دعوة لحضور الحفل الساهر ، الذي سيقام في مصيف القرية السياحية بقاريونس ، و سيحييه الفنان صلاح رخيص و الفنانة سُمية ) فقذفت العلبة إلى أعلى ( بونتة مع الصبع ) لتـُصيبَ صورة رخيص .. طرشاااااق .

في خلفي ، تهجع تلك العمارة الضخمة المُتعدِّدة المكاتب ، التي لم يستفِد منها المواطن الليبي في شيء ، إذ أنها تستلم منه ملفاً إدراياً ، سعره ربع دينار ، و تسلمه إيصال استلام بالخصوص – لا قيمة له – الذي جاء لأجله ، فيضعه في جيبه ، و يعود به فرحاً ، فتمضي الأيام حُسوماً ، و هوّ يُراجع هذه المكاتب في طوابقها ( راقي نازل ) كما مؤشر الترمومتر الحراري ، و لا يسمع من موظفيها سوى كلمة ( ما زال ) و تتلاحق السنون تِباعاً ، حتى ينسى الأمر ، فتضيع مصلحته في مصلحة الأملاك العامة ، ( الغامة ) على الملفات ، فلا يستلم منها مسكناً و لا قطعة أرض و لا بديلاً و لا تعويضاً ، و تتبخر أحلامه ، عند أعلى نقطة ، يمكن أنْ يطولها مؤشر الترمومتر الزئبقي .

أمامي ينهض مبنى فندق ‘ عمر الخيام ‘ المهجور ، الذي يمثل بنظري ، واجهة مدينة بنغازي من جهة الغرب ، حينما يبدو للواصل ، هو و عمارة ( كانون ) المُطلان معاً على ( الكابترانية ) أكثر جمالاً من مبنى جمعية الدعوة الإسلامية ، و مبنى فندق تيبستي ، و يزداد بهاؤهما ، لما يقترب منهما أكثر فأكثر ، و حالما ينزل من جسر طريق طرابلس في سبيله إلى وسط المدينة .

على يميني ثمة مركز شرطة المدينة في حالة طوارئ و استنفار قصويين ، لوجود أهالي ضحايا ( قهرة بوسليم ) أمامه ، و هم يحملون لافتات و شعارات نارية ، أدركت لحظتئذٍ لِمَ الحديقة فارغة ، و أنا باق  وحيداً ، فيبدو أنّ روّادها ، الذين كنت أراهم دائماً في مثل هذا التوقيت ، من كل يوم ( دلال العفسة و الحل ) .. تـُحاذي هذا المركز ، دار عرض بنغازي ، التي تتعانق و تتعالق عليها ( السّقالات ) مع وقف تنفيذ أعمال الصيانة .

يا لهذا العبث ، الذي أودى بمدينتي إلى هذه النمطية ، فالفندق مهجور و العمارة هاجعة و السينما خربة و الحديقة فارغة ، و لا سلات للمهملات فيها ، فاستودعت فيها علبة الـ ( بيبسي ) عند أحد مقاعدها الخشبية ، ريثما يعود ‘ ملك الحديقة * ‘ و أقرانه الصِّغار إليها – بعد أنْ ينتشر المتظاهرون من أهالي ضحايا ( بوسليم ) فهو و أصدقاؤه ، يشاركون بالهتاف معهم من دون أنْ يدروا ماهية القضية – ليتقاذفوها بأقدامهم الغضّة ، و انسرفت .

قصدت سوق الجريد ، سالكاً شارع شيخ الشهداء ، و عند كشك ‘ الطشاني ‘ توقفت لبُرهةٍ مُلقياً بنظرةٍ شاملة على ما يعرضه من صُحفٍ و مجلاتٍ ، بطريقةٍ مُلفِتةٍ للنظر ، فالصُّحف و المجلات الليبية ( الفجر الجديد ، الشمس ، الجماهيرية ، قورينا ، أويا ، مجلة غزالة ، مجلة الثقافة العربية ، مجلة الفصول الأربعة ، مجلة البيت ) مُعلقة جميعها على مشاجب في الخارج ( الهامش ) أما نظيراتها العربيات ( الأهرام ، المصري اليوم ، مجلة وجهات نظر ، العربي ، زهرة الخليج ، اليقظة ، الجيل ، طبّب نفسك ) ففي الداخل ( المتن ) لحمايتها من الريح و الشمس ، لم ترُقني أية واحدة منها .. دخلت إلى مبنى البريد المركزي ، لأفتحَ ( ص . ب ) خاصتي ( 1544 ) و لأجدَ فيه نسختين من مجلة ( القافلة ) الصادرة عن شركة ( أرامكو ) السعودية ، و مجلة ( فكر و فنّ ) في نسختها العربية ، الصادرة عن معهد ( غوتة ) الألماني ، حاضرتين في الموعد تماماً ، و مجاناً .

مضيت قـُدما نحو وجهتي ، بعد أنْ عبرت الشارع إلى الجهة الأخرى ، خشية أنْ تسقط عمارة ( السرقسيوني ) المتهالكة فوق رأسي ، فقد أصبحت كما القنبلة الموقوتة ، التي في أية لحظة ، قد تهوي من علٍّ ، و بعد أنْ تجاوزتها بخط مواز لها ، عدت و عبرت الطريق من جديد ، مُقبـِلاً على ميدان البلدية الجميل ، الذي لم يعرف ( الأعدقاء ) في أمانة المرافق و جهاز المدينة القديمة ، كيف يستثمرون هذا الميدان التاريخي الجميل ، فهو بتصوري ، لا يصلح لأنْ يكون ميداناً تجارياً ، لتـُباع فيه الملابس النمطية ، فالكل هناك ، يبيعون الملابس التركية و الصينية و التايلندية ، فلا تميُّز و لا تفرُّد في العرض ، فهذا الميدان بمحاله ، يجب أنْ يتحول إلى مقاهٍ أنيقة الجلسات .

وصلت بعد لحظات إلى الجامع العتيق ، و استدرت إلى يمينه ، لأقفزَ على عتبات سوق النور ( الثلاثية ) في وثبة واحدة ، ليتصدر ليّ بائع الدولارات : ( اتصرف يا أستاددد ؟ ) .

– أنا : شكراً .. صحّيت .

– هو : ما عمرها جت منك تضحك .

– أنا بنوبة غيطاوية : أحسن عملة عمر المختار .

من نقطة تصدره ليّ ، و حتى مدخل سوق الجريد ، كان هذا حواري مع أصحاب حرفته ، الذين غالباً ما يتواجدون هناك ، هم و بائعو النظّارات السودانيون ، يتخللهم شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة ( الذهنية و المادية ) يضع أمامه ميزاناً غير رقمي ( انالوق ) و على رأس لسانه ، لفظة : ( توزن بربع ؟ ) أحياناً أتجاوزه ، لكني أرجع إليه ، لما أسمعه يتمتم ، فأزن نفسي عنده ، خشية أنْ تصيبني دعوته ، و بمجرد أنْ أقف على قاعدة ميزانه القديم ، يجبر بخاطري ، فيرفع الكسر ، لكونه لا يجيد إلا قراءة الأرقام الصحيحة .. دخلت إلى سوق الجريد الظليل ، و أول من قابلني بائع مصري ، يبيع فوط ( مناشف ) الحمام ، الخمسة بدينار ، يعرضها و يضعها على كتفه ، و يمسح بإحداها رقبته و جبينه المُتصفـِّد عرقاً ، على اليمين ،  هناك عجوز تفترش الأرض ، بقطعة قماش ( متر × متر ) تطرح عليها ( بخور و فاصوخ و وشق و شبّة – لوبان ايطرشق –  اسواك نسائي و رجالي – لاميتات و أمواس حلاقة – بطاريات أصبع و ريمونت – فيكس فابوراب و فيكس نيجيري بالشيح – مسك و عنبر – معجون أسنان – مُزيل بطشة لإزالة الصّنان – بوية سودة و حمرة – سباسي رياضي و مالبورو – ولعات الاثنين بربع – بريزات و مفاتيح ضي – لامبات بربع دينار – و ما عاقبة حاجة إلا و اتبيع فيها ) بجانبها أكثر من عجوز ، تبيع الحاجات نفسها ، في وسط ممر السوق ، ثمة مسرب ، تمرُّ في حوضه ماء المجاري ، و يقف بائع صغير مع أخيه ، يعرضون بضاعتهم على عربة خشبية تقوم على دواليب صغيرة ، و شيخ مصري بصير ، يتلو آي الذكر الحكيم على أرواح الفقراء و المحرومين الليبيين ، الذين يجوبون السوق ، و لا يحتكمون على دينار واحد – في وسط الجلبة و صياح الباعة – يجلس أمام أحد محال بيع المجوهرات ، و شاب ليبي ملتزم بقربه ، يقعد على ( ابلوكه جيرية ) يبيع أجود العطور الحجازية ، لم ألمح أحداً يشتري ، الكل مثلي ، يمشون من دون وجهة معينة ، عند واجهة أحد معارض الذهب ، مرّرت بجوار شاب و فتاة ، يبدو أنها خطيبته ، سمعتها تسرُّ إليه : ( هضا أكثر واحد يمشي في بنغازي ) – تقصدُني – و لأني كثير المشي ، كما قالت ( مشّيتها لها ) .. حدثت بلبلة في السوق : ( جاكم الحرس يا هووووووو ) و في لمح البصر ، كان كل الباعة خارج السوق ، عابرين الزورايب الفرعية المؤدية إلى شارع البعجة و الصلابي و الشويخات ، سمعت إحدى العجائز ، تدعو عليهم : ( عطهم برص .. ما خلونا نسترزقو على حالنا ) و هي تقوم بثني قطعة القماش ، التي تعرض عليها أشيائها ، بطريقة فنية ، إذ يبدو أنها أعدّتها لمثل هذه الطوارئ ، فقامت بثنيها مرتين ، و أقفلتها بالـ ( سوستة ) فأصبحت مثل الحقيبة ، التي تحفظ كل شيء فيها و مضت مُسرعة .. رجعت إلى الخلف ، ليس بسبب تواجد عناصر الحرس البلدي ، بل لأني أعرف النمطية ، التي يعاني منها هذا السوق هو الآخر ، من ناحية البضائع المعروضة فيه ، فهي أيضاً من المصدر نفسه ، فلا تميُّز و لا تفرُّد فيه و لا فيها .

عندما تقهقرت ، جاءتني مُهاتفة من الصديق الفنان ‘ هيثم ‘ و أنا أعرفه جيداً ، فمتى اتصل بيّ ، فهذا يعني ، أنه يعاني من الشعور بالنمطية القهرية ، اتفقنا أنْ نلتقي عند مكتبة أبيه سابقاً ، الموجودة في شارع المجاهد ‘ أحمد الشريف ‘ لمحته واضعاً يديه في وسطه ، و معه قيثارته ، و هو ينفخ آهات مزمار القلق ، و يزفر ناي الملل .. عند الزقاق الواصل بين شارع اقزير و الساحة الخلفية لسوق الحوت ، توقفنا هناك لدقائق معدودة ، لنشاهد الجدارية ، التي قام أحد المواهب بنقش رسومات لأعلام من بنغازي – عمر المختار و الفضيل بوعمر و أحمد المهدوي و خليفة الفاخري و علي الشعالية و محمد صدقي و شادي الجبل و غيرهم – بالألوان الزيتية عليها ، و التقط ليّ ‘ هيثم ‘ هذه الصورة – جاعلاً هذه الجدارية خلفية لها ، فإذا لم نصور معهم في حياتهم ، فلا بأس أنْ نصور معهم في مماتهم – بعدسة نقاله الصيني ( المعمشة زي اعوينات صانعيها ) :

بدا ليّ ‘ هيثم ‘ في حالة وجدانية عالية ، و مستعداً لإخراج ( البغدد ) على أوتار قيثارته ، لكنه عدِم المكان المناسب ، فلا مسرح مُعدّ لذلك ، و لا منتدى للفنانين الشباب في المدينة ، مرّرنا بعد حين بشارع العقيب ، و عند البيت الثقافي ، أخبرته بأنّ هذا الصرح الجميل ، يجب أنْ يفتح أبوابه لك ، و لمن مثلك من الموهوبين ، و ألا يُخصّص فقط للشعراء و القصّاصين ، فأيننا نحن من الأمسيات الفنية ؟ لكن هذا لن يحدث ، و لا ترتجيه قريباً يا عزيزي ، طالما أنّ اللافتة التي على بوابته مكسورة ، فـ ( المكتوب بائنٌ من عنوانه ) .. هيا يا صاحبي ( ما لنا امفيت حديقة 23 يوليو ) .. جلس ‘ هيثم ‘ هناك و احتضن قيثارته الجديدة ، و بدأ يدندن عليها بهمس ، و هو يتتبع أصابعي ، التي أشير بها إلى العمارات المُطـِلة على شارع جمال عبد الناصر بعد الصيانة الجديدة ، انظر يا هيثم إلى ألوان طلائها الباهتة و الكئيبة ، فأغلب هذه العمارات ، أختير له الألوان الترابية ، حتى أنّ بعضها ، لا تفرق بين لونه و لون ( لياسة ) الأسمنت ، بل أنّ ألوانها تتشابه ، فلا تستطيع أنْ تصف لأحد ما ، أية عمارة منها بلونها ، فيا لهذه النمطية و التشابه في كل شيء الذي يغلب على مدينتنا ، حينذاك ، صرّح لي ‘ هيثم ‘ بهمس ، مثل همس قيثارته : ( يا ازويدة هضا مش مقياس .. راهو في ناس مخلصين يخدمو في بنغازي و يشتغلو تحت الأرض ) و قبل أنْ أسأله عن هؤلاء السُّفليين ، أجابنا أنبوب المجاري ، الذي كان بقربنا و أسفلنا : ( وججججججج ) في بحيرة 23 يوليو ، قاذفاً ( علبة بيبسي ** ) كأول شيء ، ثم مياه سوداء ، فانقطع أحد أوتار قيثارة ‘ هيثم ‘ و عدنا أدراجنا ، و نحن نكاد ننفجر من الضحك على هذه الإجابة الفورية ، مُردِّداً له عبارته : ( قالك في ناس تحت الأرض يخدمو فيها ! .. ما تموا إلا شواطين .. ههههههه ) .

المصدر : المنارة للاعلام  … هنا ..

هى مدينة بحرية بكل ما يوحى به البحر من مغامرة و غموض و حيوية  .  انها تزدحم بالمئات – بل بالالاف – من البشر و السيارات فى شوارعها الفسيحة ، و ضجيج لا حد له .  ترى البشر أمامك من مختلف المستويات ، و بالرغم من كثرتهم فهناك مجال حركة للجميع .  هناك حراك ، هناك رغبة فى الحياة ، هناك مد مستمر للاندفاع للامام رغم كل المعوقات .  ترى فى شوارع الاسكندرية أناسا مسرعي الخطى نحو هدف معين ، و ترى أناسا يمشون رويدا بلا هدف ، و ترى شحاذين و متسولين و بائعين متجولين و مختلقى أعمال لا معنى لها – مثل تبخير السيارات و حمايتها من قوى غامضة و غير منظورة – مما يذكرك بعصور سحيقة ، و لكن الجميع يجمعهم هدف نهائى واحد و هو صراع البقاء .  و فى المقاهى المنتشرة على شاطئ البحر ترى الكثيرين صباحا جالسين باسترخاء بين ارتشاف الشاى و قراءة الجرائد .

هناك حراك تشعر به فى تدفق هذا المد البشرى الهائل ، و هذا الكم من السيارات .  الكل فى حركة مستمرة ، و عند المساء و بعد غروب الشمس يجتمع الالاف فى الاشتراك بالتمتع بنسمة الهواء النقية الاتية من الشمال ، و بالرغم من الازدحام الهائل فانك تحس بأن المكان مازال يسع أخرين .  و تجلس فى احدى مقاهى الكورنيش و يمر أمامك بشر من جميع الاطياف ، و يعرض خدماته عليك بائعون متجولون يغرونك بشراء ما لا يخطر على بال ، و ماسحى احذية لا يدعونك حتى توافق على خدماتهم ، و أخرون .

و عندما تزور مكتبتها الشهيرة التى هى احياء لاحدى معالم العالم القديم فانك ستنبهر بما قامت به مصر اليوم لاحياء معالم مصر الامس .  و لا يكلفك زيارة المكتبة أكثر من دفع جنيهان مصريان تتمتع مقابلهما بعروض لتاريخ المكتبة بلغات عدة ، و بالتجول فى داخلها الفسيح .  و تستطيع أن تزورها الكترونيا … هنا .  أما مساء فيمكنك التمتع بالتردد على احدى مسارحها المنتشرة على كورنيشها البهيج .  هى مدينة الاسكندرية عراقة و حداثة فى مزيج فريد و غريب .

هذه قصة حدثت لمواطن من مدينة بنغازي يحكى فيها عن تجربته عن إعدام صك مصدق ضاع منه ، و عن الإجراءات الإدارية العقيمة التي تكبدته خسارة لم يكن حتى مسئولا عنها فالصك المصدق أضاعته جهة عامة نتيجة لإهمال موظف مقصر .  القصة نشرت في العدد 2124 من أخبار بنغازي الصادر اليوم الخميس الموافق 08/04/2010 ، تحت عنوان ” إعدام مكلف جدا “ .  و بعد أن يتوجه هذا المواطن بالشكر للعاملين بالصحيفة لإتاحته الفرصة لنشر مقاله ، يبدأ في سرد قصته …. اقتباس ..

” لقد تقدمت كأي مواطن للحصول على مادة الاسمنت (400 كيس) و أرفقت الأوراق المطلوبة و معها صك مصادق عله بقيمة 1154 دينارا بتاريخ 11/09/2007 و تحصلت على فاتورة للمراجعة تحت رقم 4354 بتاريخ 06/04/2008 .  و بعد عدة مراجعات طلب منى موظف الخزينة صكا مصادقا عليه بقيمة 265 دينارا كزيادة عن الثمن و سلمت الصك بالقيمة المطلوبة بتاريخ 03/06/2008 إلى الموظف المختص و تتابعت المراجعات للحصول على الاسمنت و في إحدى المرات كانت المفاجأة و هي أن الصك الأخير لا وجود له !!  و طالبني موظف الخزينة بضرورة  دفع قيمة الإضافة على الثمن فأعلمته بأني قد أحضرت الصك و سلمته له فرد بأن الصك غير موجود و يجب إحضار صك أخر بالقيمة المطلوبة في السابق مضافا إليها زيادة جديدة و اعتبار الصك السابق و كأنه ضاع منك ، و عليك الشروع في إجراءات إعدام الصك لتحصل على قيمته المحجوزة بالمصرف …. و نظرا لحاجتي الماسة للاسمنت اضطررت لتقديم صك جديد بالقيمة المطلوبة ثم بدأت في ماراثون إجراءات إعدام الصك للاستفادة بقيمته المحجوزة . و بعد اخذ الاستشارة من الموظف عن خط البداية ذهبت إلى مركز شرطة البركة مجبرا ، و فتحت محضرا أقررت فيه بأن الصك إياه قد ضاع منى ( و ليس من موظف الخزينة ) ، و عرضت المحضر على خزينة المصرف لتؤكد بأن هذا الصك لم يصرف .  ثم ذهبت إلى مصرف التجارة و التنمية وكالة البركة للتأكيد بأن الصك لم يسحب و أن قيمته موجودة .  بعد ذلك تقدمت بعريضة إلى رئيس محكمة جنوب بنغازي الابتدائية بطلب إعدام الصك ، و قد كلفت اجراءات العريضة 15 دينارا و بعد ثلاثة أيام صدر الأمر القضائي بإعدام الصك .  و توجهت به لإدارة المصرف حتى يتم الإفراج عن قيمته ، و لكن المستشار القانوني بالمصرف طلب منى نشر الحكم القضائي بصحيفة أخبار بنغازي فقمت بالنشر في الصحيفة الذي كلفني 30 دينارا .  و حملت نسخة من العدد إلى المستشار القانوني بالمصرف الذي أخبرني بأنه يلزمني للإفراج عن الصك النشر بالجريدة الرسمية و ربما يقصد مدونة التشريعات التي لم أعرف مكانها إلى الآن ، و قد أخبرني أيضا أن قيمة النشر في الجريدة الرسمية حوالي 90 دينارا ، و للعلم فان جزء كبير من الإجراءات كلفت به ابني نظرا لظروف العمل .

و بعد هذا السرد الذي أعتقد بأنه فوق الممل أتساءل مندهشا : كيف يتم تسلم صكوك مالية من دون إيصال بذلك ؟  و من المسئول عن الوقت و الجهد الضائعين بسبب إهمال موظف ؟  و من يعوض ذلك ؟

ان تكاليف الإجراءات المادية اكبر من قيمة الصك المعدوم تقريبا ناهيك عن الجهد البدني و المعنوي .  ان هناك كثيرين غيري و سيلحق بنا آخرون ما لم تكن هناك وقفة جادة من الإدارات المسئولة لتصحيح هذا الخلل .

كما أنني أتساءل إلى متى تصر الجهات العامة على استغلال حاجة المواطن لتفرض عليه مواقف و إجراءات ليست في صالحه ؟!!  و تقبلوا منى كل الشكر و التقدير ، و ليوفقنا الله إلى ما فيه صالح القول و العمل . ”  …… انتهى الاقتباس ..

نلاحظ من سرد أخينا المواطن لقصته ما يلي :

1 – تقدمه للحصول على مادة الاسمنت مع تسليمه صكا مصدقا بالسعر المعلن كان بتاريخ 11/09/2007 ، و صدرت له فاتورة للمراجعة بعد حوالي السبعة أشهر ، و طلبت منه تكلملة الزيادة الأولى بعد شهرين آخرين ، و طلبت منه تكملة زيادة ثانية بعد مدة لم يحددها .  نستنتج من هذا أن سعر الاسمنت زاد مرتان بعد استلام الطلب مع صك مصدق بالقيمة ، و إذا اعتبرنا بأن قبول المصنع بصك المواطن بمثابة عقد ما بين المواطن و المصنع فلا يحق للمصنع المطالبة بزيادة في السعر لتأخره في التسليم ، و للأسف لم نعرف تاريخ حصوله على الاسمنت ان حصل عليه أصلا .

2 – اضطر المواطن للكذب طوعا بإقراره بضياع الصك منه شخصيا ( و ليس من موظف الخزينة بمصنع الاسمنت ) في مركز الشرطة حتى يكمل إجراءاته .

3 – حسبما فهمت فان المواطن لم يتحصل على قيمة صكه الضائع حتى الآن ، فأين تذهب هذه القيمة ، حسابيا هي مرصودة لمصنع الاسمنت ، و فعليا فهي مازالت في مصرف التجارة و التنمية ، و واقعيا فإنها خارج حساب المواطن .

4 – واقعيا فان كل ما تكبده هذا المواطن من خسارة جهد و وقت و مال كان موظف الخزينة بمصنع الاسمنت هو السبب فيه ، فكيف يستطيع مطالبته بالتعويض عن ذلك ؟

و كان الله في عونك أخي المواطن .

أكاذيب جارية في بنغازي

منقول من مدونة جود لجابر نور سلطان

إن لم تتح لك فرصة زيارة بنغازي ،خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر 2-2010  ،فقد فوت على نفسك فرصة تاريخية، لمشاهدة الكذب مشاهدة حقيقية،في أبرز ظهور له منذ فترات طويلة.   لا نغمط متعهدي الكذب حقوقهم و ندعي غياب الكذب و عدم توافره في مدينة بنغازي خلال السنوات الفائتة، فهذا مجانب للحقيقة، و إنكار بيّن لجهود جهابذة الكذب و حرصهم على وجوده في متناول الجميع، وثمة نقطة مهمة يجب التذكير عليها ،ألا وهي حرص صناع و وكلاء الكذب على توافر الكذب بكميات كبيرة، وضخه بشكل يومي فلا يكاد المواطن من سكان تلك المناطق أن يفقده.لكن الكذب هذه المرة كان ظهورا باذخا أقرب إلى كرنفال ، كرنفال للكذب، لا يستطيع ناقد أن ينقده، فقد برزت فيه مواهب نادرة ،و ظهرت قدرات فائقة، تؤهل لمنافسات عالمية.

كميات هائلة من الكذب تفاقمت بسرعة هائلة،و توزعت بكرم زائد على الشوارع و الميادين، والأشياء التي كنا نظن أنها غائبة أو مغيبة  عن أذهان من يتولى الأمانة و المسؤولية، وجدناهم يستعينون بالسيد الكذب لإنجازها،فالأشجار البائسة المشعثة المنتشرة من دون عناية استيقظت فجأة مذعورة على وقع المقاص التي تخترق فروعها، و تقلم أغصانها و الفرشاة التي تضرب ساقها، توشوشت الأشجار العتيقة تحت وقع الذهول متسائلة ما الذي يحدث؟ و من هؤلاء و ما الذي ذكرهم بنا؟.

ومن واقع أعمارها المتقدمة ،وما تحتفظ به ذاكرتها ،أدركت الأشجار أن أولئك الذين يحاصرونها ليسوا متخصصين .  ما حدث للأشجار حدث لمجمع سكني كامل أكلت عماراته المبنية من عقود الرطوبة، تشققت جدرانها،و بدت كئيبة حزينة لعدم وجود صيانة حقيقية لها، هي أيضا ذعرت و انتفضت بما تبقى لها من قوى و هي تحاصر في ساعات متأخرة من الليل بسقالات و هرج و مرج وصخب ،و إصرار على تزويقها على الرغم من تشبعها بسيول من الرطوبة عبر عشرات السنين،

حالة الذهول المشوب بالذعر انتابت أيضا أعمدة الكهرباء، في عدد من الطرق الرئيسة المسكونة بالظلمة منذ سنوات طويلة، و أخذت تقرص نفسها و تفرك عينيها، لتتأكد أن ما تشاهده واقع، وأن هذا السلم الذي على الرغم من تطوره لم تزل تذكره – يلتف على قامتها حقيقة.

الأرصفة المهجورة المتربة ،الطرق عديمة الملامح والتخطيط ،الجزر التي أنفق عليها الملايين و كثير منها أهمل ، الجميع عاش حالة من الذهول ،شباب يحملون  “علب الزواق والفرش ” و يخططون الطرق بطريقة عشوائية، وسط السيارات المنطلقة، ليس هذا فحسب ،بل و العهدة على الراوية أن لتخطيط الطرق نوعا معينا من الزواق بمواصفات عالمية،و ليس هذا الذي تم التحايل به.

مظاهر عديدة تجلى فيها الكذب، و سجل حضورا طاغيا و كان بإمكان الناس مشاهدته على مدار الساعة ، فوق عامود كهرباء،متسلقا شجرة، متمشيا على شاطئ مهجور، يخطط طريقا متربة، يصر على تزويق عمارة مائية.

ونؤكد كي لا نبخس أحدا من منتجي الكذب، أو مروجيه حقه، فإن الكذب كان موجودا و منتشرا ، لكنه لم يأخذ هذا الشكل الكرنفالي، و للحقيقة أيضا لا بد من ذكر محاولات مستمرة لتطوير الكذب، عبر السنوات الفائتة و الاستفادة من التقنيات الحديثة خاصة اللافتات الملونة الكبيرة المذهلة التي كان لبنغازي نصيب الأسد منها، عديد المشاريع الملونة المزركشة تصدرت المواقع المهجورة،منها على سبيل المثال لا الحصر مشروع الشاطئ الشرقي لمدينة بنغازي عمره ربع قرن أو يزبد كلفت مخططاته الملايين في منتصف السبعينيات ليشكل نهضة حقيقية في بنغازي، لكنه للأسف لم يتم، منذ عدة سنوات جاءت اللجنة الشعبية كاملة إلى بنغازي ووضعت حجر الأساس لعدة مشاريع من بينها مشروع الشاطئ الشرقي،حينها كنت أعمل في موقع جليانه و كتبت مقالا بعنوان ” الحكومة تحيي الأموات في بنغازي ” و كنت أقصد المشاريع الديناصورية في بنغازي، رافق الزيارة حضور متطور للكذب حضور ملون ببروز لافتات ضخمة تعلن عن بدء تنفيذ تلك المشاريع.  لأشهر قليلة صمدت ثم ذهبت مع الريح.  بعضها لم تزل خرق منه تلوح في الهواء.  ومما يحسب أيضا في ميزان التطور تلك السياجات الهائلة و الجدران الحديدية العازلة التي أخذت تنتشر على مساحات هائلة يتصدر بعضها لافتات من ذلك النوع الذي تحدثنا عنه.

لا أريد أن أسهب في الحديث عن هذا الكرنفال، على الرغم من تناولنا التهكمي للموضوع إلا أنه يثير المرارة و يشعر بالحزن و الأسى ،أن تصل الأمور من البعض إلى هذا الحد من الإساءة و تغيير الحقائق والتلفيق.

هذا البلد طاهر مضمخ بدماء الشهداء ليس بحاجة إلى حملات نظافة وهمية ، وساطع بأرواح المجاهدين، ليس بحاجة إلى مصابيح “مضروبة” و زاه بفنونه وثقافته ليس بحاجة إلى أزوقه مغشوشة.هذه المدينة خضراء متشحة بالثورة و ببيانها الأول ليست بحاجة إلى نجيلة مزيفة.

لقد خصصت المليارات، لكنها نهبت في وجود ثقافة مقيتة مسيطرة، تبيح السرقة و الغش و الرشوة.،و الاستغلال .  تنتج بشكل يومي ظواهر خطيرة تضعف الانتماء للوطن بقيمه الأصيلة وتنال من الانتماء للثورة بقيمها النبيلة. تنمي الأنانية البغيضة.

نحن بحاجة إلى مراجعة صريحة جريئة لكل أركان و أسس وقيم منظومة المفاهيم في ليبيا، على شريعة من الثوابت و الركائز و الخيارات الإيجابية الحقيقية.

نحن بحاجة إلى محبين حقيقيين متفانين في حب ، ليبيا لسنا في حاجة إلى موظفين بعقلية روتينية.

أراهن على صديقي الأنيق الفنان التشكيلي الجميل المستوحى لوحاته من الصحراء الليبية و تجلياتها، محب الأوبرا و السيمفونيات العالمية، محب الهوية بكل تفاصيلها، و أعلن أن لدي مصلحة حقيقية فيه مصلحة بحجم الوطن، و بحجم الحلم بغد يليق بهذا البلد و بتضحياته و إسهاماته الإنسانية، في الماضي و الحاضر.  أراهن على محبين حقيقيين نزيهين.

كي لا نرى لاحقا كرنفالات للكذب علينا أن نعيد تقييم و تقويم علاقتنا بالوطن و بالثورة ، بعيدا عن الكذب والغش و الخداع.

على الرغم من كل هذا يجتاحني تفاؤل لا حصر له في مقدرة هذا الوطن و ثورته على نسج خيوط فجر ضاف بالطهر و بالنور و بالفرح و السعادة. كي يختفي الحزن و الإحباط من أعين الشباب لينخرطوا في برامج حقيقية و مشاريع تنموية تحترم قدراتهم و تعيد إليهم أحلامهم المنهوبة. لتخرج من جيوبهم أقراص الهلوسة لتضع مكانها بذور الأمل، و تنزع من أوردتهم حقن الهرويين وتبسط عليها راحة السكينة و الطمأنينة، لتنتشل المغرر بها الفقيرة من براثن الدعارة ،وتوشحها بوشاح العفة، لتنقذ أرملة الشهيد من مخالب أنصاف الرجال الذين يساومونها، وتهيئ لها عيشا كريما، لتحفظ ماء وجه شيخ يستجدي مدير المصرف خمسين دينارا “ع الحمر”.

نحن بحاجة إلى من يعيد إلينا الوطن المهرب في دهاليز الصفقات،و خفايا المخططات، و فناءات و” مسابح الدارات، ومسارب الحسابات،و المزادات و المضاربات.

نريد للافتة “أعمال جارية” أن تكون أعمالا كاذبة أعمالا و وهمية غير حقيقية.

 ولدت مدونة ليبية جديدة لصاحبها محمد مختار الساعدى مع أول تدوينة له بعنوان ” من الفيزياء الى العواطف و بالعكس ” .  تتناول التدوينة موضوعا طريفا و ذكيا حاول فيه محمد تفسير التوتر و الإجهاد النفسي بقوانين فيزيائية …

المدونة تحت هذا الرابط :

صدى الأفكار

فمرحبا بالأخ محمد مختار الساعدى فى عالم النت …

غابة الرجمة المسماة نسبة لقرية الرجمة ( و المسماة بدورها نسبة لبئر كان يسمى الرجيمة ) ، و التي تبعد حوالي 25 كلم شرق مدينة بنغازي ، هي منطقة تلال و مرتفعات ، ترتفع حوالي 300 متر عن سطح البحر . تبدأ هذه المرتفعات من وراء مطار بنينا و تستمر فى الارتفاع شرقا و شمالا نحو سفوح الجبل الأخضر فيما وراء مدينة المرج .   منطقة الرجمة شهدت حملات تشجير شعبية واسعة ابتداء من الستينات و السبعينات و حتى الثمانينات ، و هي إحدى منتجعات سكان مدينة بنغازي للزرادى و الفسحة و التريض .  المؤسف فى الأمر أن أشجار هذه الغابة شهدت مرضا غريبا يصيب الأشجار لاحظته شخصيا منذ فترة التسعينات ، تصبح الشجرة فيه تنز سائلا كالدم لونا على سواد من جذعها حتى تفقد عصارتها الحيوية ثم يصيبها الجفاف و بعده تسقط وتصبح هدفا للحطابين .

يوم أمس و فى جولة سريعة فى أطراف غابة الرجمة رايت منظرا حزينا لأشجار عدة و قد ماتت و تبدو آيلة للسقوط ، فهل سنقول يوما أين ذهبت كل هذه الأشجار ؟

162_6219

162_6221

162_6226

DSC01158

DSC01160

DSC01164

DSC01167

DSC01170

DSC01171

صورة الحاج عبد النبي

سبق و أن نشرت في تدوينه سابقة بعنوان ” كلمات شاهد عيان من زمن أخر ” ما رواه الحاج عبد النبي عبد الشافي الرفادى ” فى مقابلة مع الأستاذ محمد مختار الساعدى  عن ذكرياته فى معسكرات الاعتقال الفاشية و هو في سن الثالثة عشرة من عمره .  أجريت المقابلة يوم الأربعاء الموافق 23/01/2008 ، مع الاسترشاد بالاستبيان المعد من قبل مركز الجهاد الليبي .

و لكن ما نشر فى تلك التدوينة لم يكن كل ما رواه الحاج عبد النبي ، فقد حكي أيضا عن ظروف الحياة العامة فى تلك المعسكرات و ما قاساه الناس من ويلات فيها .  الآن  و بمناسبة يوم ذكرى المنفيين الذى يوافق يوم غذ ، أتابع نشر بقية الذكريات التي حكاها هذا الشاهد  تأكيدا على أن التاريخ لا ينسى ، و على أن الحق لا يسقط بالتقادم .  الكلمات التي تحكى عن تلك الفترة السوداء هي لأحداث حقيقية من فم شاهد عيان حدثت منذ ثمانين سنة فقط .

قال الحاج عبد النبي :

التمهيد قبل الضم للمعتقلات … قبل قرار ترحيل النجوع و ضمها فى معتقلات ، جمعت السلطة الإيطالية المشائخ والعمد وخيرتهم إما أن تحاربو المحافظية و تزودكم الحكومة بالسلاح أو أن ترفضوا فترحلون إلي المعتقلات.  المشائخ طلبوا مهلة للتدارس و الرد علي السلطات الإيطالية بقرارهم. اجتمعوا يتدارسون الأمر يقال أن بينهم رجل من المرج قال أن هذه مسؤولية لا نقدر عليها فوافقوه كلهم وبعد انقضاء المهلة أجاب المشائخ بأنهم لا قدرة لهم علي محاربة المحافظية. كان بعض المشائخ قد حبسوا في بنينه ثم نفي بعضهم إلي إيطاليا بعد ذلك.  الدور (الجبهة) الأكثر إقلاقا للسلطات الإيطالية هو دور عمر المختار في وادي الجريب (وادي الكوف) يصعدون منه جنوبا حتى منطقة خولان جنوب درنه يهبطون شمالا حتى الحنية علي الساحل غرب البيضا.

معتقل العقيله … المعتقل يسمى (كونفيناتو) المسؤول الإيطالي الأكبر هو غراتسياني. المكان منطقة رملية منبسطة نوعا يحدها من الأمام ( حهة الشرق) تبة ذات امتداد وفي الجهة الغربية يتكدس مرتفع من طوق رملي. في جانب من المعسكر جعل ما يدعي مستوصف من بويتات المعتقلين كانت يلا أعمدة تقريبا ردمت الرمال أجزاء منها.  تري (الكابو) واقفا و البويتات مصفوفة متلاصقة (الجازل في الجازل) في اشواط علي امتداد الصف (الريقه). كل قبيلة ترصف بيوتاتها في صف أو أكثر، آل ارفاد، يليهم آل منصور ثم آل غيث ، أما تقسيم المعتقل إلي ارباع كان معمولا به في معتقل البريقة وليس في معتقل العقيلة .

الحراسة و التسجيل و التمام … في العقيلة الحراس يراقبون السياج ليل نهار. يجمع المعتقلين من الرجال كل صباح يتمم عليهم شيخهم ويعطي التمام لمسؤول التجمع (الكابو اقروبو). هذا يرتدي شنه حمراء مميزة بشارة فضيه كعلامة (اشبور حادر على شكل حرف V ) . يتم التجميع للتمام (الريقه) صباحا و مساءا ثم اقتصر علي الجمع الصباحي.  يجمع الناس في الريقة متراصفين أربعة أربعة أحيانا من العصر حتى صلاة المغرب في انتظار الكابو ليأخذ (النوفتا) التمام. يظهر مهيبا (يلهد) علي جواده ويقبل الجواد مسرعا هابطا مع طريق تنحدر إلي أن يتوقف عند جمع المنتظرين فيتقدمون نحوه و يعطونه التمام كل عن صفه أو قبيلته.

الحصة الغذائية (الرسيوني) … الحصة الغذائية بمعدل نصف وقه شعير للنفر كل سبعة أيام. مكان استلام (الرسيوني) الاسبوعي عند جهة البحر. الكثير من الناس الذين لا يقوون علي الوقوف يزحفون للاقتراب من كومة الشعير، يحاول بعضهم أن يقنص قبصة منه في مخلبه، يلقمه إلي فمه علي عجل قبل أن يهم عليه الكابو بسوطه.  الكيال المرحوم محمد بو وهاب يتعمد أن يزيد المكيال بما قد تحوزه أصابع يده فيمتن الناس للحبات الإضافية. الحصة الغذائية (الرسيوني) ثابتة لا تتغير في رمضان و لا في غيره.  يقسم الشعير لأوجه مبادلة مقابل زيت و سكر وقوالب مكعبات صغيرة من شحم وهذه تجدها في الدكاكين القليلة (أربعة دكاكين) التي كانت بالمعتقل كانت لنصارى و يهود ليبين .  من له كسوة لباس أو هدمة يكتسي بها والقاصر له العراء.

الكثيرون لا تكفهم حصتهم الغذائية شيئا. عائلتنا – آل عبد الشافي – انتفعنا بثمن النعاج التي بعناها عندما كنا لم نزل في اردانوا شرق توكرة قبيل الترحيل إلي معتقل العقيله  – لذلك لم نعاني جوعا وأمراضا بالقدر الذي عاناه الكثير من المعوزين الآخرين من المعتقلين. مات منا جدنا و ماتت عيده زوجة عثمان بو الفقيه.  المرحوم عوض الرداع كان ذبح ناقته الزرقاء المسماه (الرطبه) و باع لحمها بالكيلو عندما كنا لا نزال في طلميثه، ثمنها نفعه في المعتقل. عائلة عبدالواحد الساعدي لم يكن بحوزتهم شيء فعانوا مر المعاناة و قضي معضمهم.

من دخل معتقل البريقة ثلاثة أثلاث، مات الثلثان ودفنوا في الرمل بالمعتقل و الثلث خرجوا من المعتقل أحياء.

مياه الشرب … المياه تجلب محمولة علي الحمير وتستخدم الحمير أيضا لجمع وجلب الحطب للوقود والطهي. هناك آبار في الرمل في الوادي أمام الصقالة، المياه آسنة عفنة تري سطحها في الصباح و قد غطته طبقة شفافة خضراء .وهي مسببة للأمراض.

الأمراض … الناس أصيبوا بالأمراض من الجوع ووجع في الركب. ترى الرجل (حاطي) كالجمل الهزيل يتحرك جالسا أو يزحف ولا يقوى علي الوقوف. أعراض أخرى تظهر في منطقة الفم تبدو في الوجه كأثر حرق النار (وهره). لجأ البعض لنبات الأرض كنبتة العنصل يقولون أنهم استحسنوا طبخها مع الكسكسو.

قبل السماح بإخراج المواشي خارج المعتقل صار الناس يذبحون مواشيهم ليقتاتو منها ولكن ذبح المواشي ممنوع و عقوبته الشنق.

المرحوم بالقاسم بو علي ذبح ناقة خلسة في ظلام الليل و قسم لحمها بميزان علي ضوء شمعة. خبئت أحشاء الناقة و جلدها بالحفر والردم في الرمل داخل الخيمة التي نقيم فيها وبقي سرا مدفونا إلي أن غادرنا المكان بعد أكثر من عام.

هناك ما يدعى مستوصف و ما يدعى حكيم عربي يعطيك ليمونة. الحكيم الافرنجي يأتي في يوم مخصص في الأسبوع، يعلن عن قدومه من قبل البراح وهو عبد الغني بو السايل الجازوي. يمر البراح أمام (الريقة) مناديا. معه أشخاص يضعون خرقة حمراء فيها صليب يلووا لك (فاشة وتنتورا) رباط و نوع من المطهر.

أماكن قضاء الحاجة … ترك مكان فضاء قرب السياج الشائك في آخر الطرف الشرقي للمعتقل مسافة أقل من كيلومتر ليقضي فيه الناس حاجتهم. في العقيلة كان السياج قريبا من الخيام ولم يخصص مكان ليقضي فيه المعتقلين حاجتهم. فكان علي من يريد أن يقضي حاجته أن يحضر عند الباب ويبقي قرب الحراس إلي أن يتجمع خمسة أو ستة أشخاص يصطحبهم فرد من الحراس لمسافة ما خارج المعتقل. النسوة لا يغادرن إلي الخارج فالمنطقة رملية ويردمن فضلاتهن في الرمل.

الوفيات … الموت والوفيات كثيرة وكان الموتي يدفنون بملابسهم اللهم إلا فيما ندر إذا استطاع أهل الميت تدبير الكفن. تصل الجنازة و يسجى الجثمان في انتظار وصول جنازة تالية أخرى ثم أخرى وتطلق صافرة لمتطوعين يحملون الجثامين للمقبرة إذا لم يكن للميت أحد يتولي دفنه.  عندما جئنا لمعتقل البريقة كانت (الرهمة) أي الفترة الأكثر في الوفيات من المعتقلين قد انقضت في العام الأول ثم انخفضت في العام الثاني فلم نشهد الوفيات اليومية الكبيرة مائة جنازة في اليوم الواحد لمدة تناهز العام أو تزيد.

المواشي … المواشي معظمها مجرد هياكل عظام يكسوها الجلد أما الإبل التي سخرت إلي الكفرة فقد هلكت جميعها تقريبا. الطليان ألزموا كل شيخ بتوفير عدد كذا ناقة وهذه أغلبها هلكت في الصحراء إلي الكفرة أو في طريق العودة منها.  في بداية الترحيل كنا لا نزال محتفظين بالضأن والإبل وعند وصولنا إلي منطقة التجميع في ساحل توكره. قام عمي ببيع كل ما نملكه من الضأن حوالي خمسين نعجة نقلها جميعها إلي بنغازي و باعها هناك احتفظنا – بعد طلميثة – بالعنزات و النوق كان يرعاها علي بو المصري .  كل بيت (عائلة) يكلف منهم شخص بمواشيهم ويخرج خارج المعتقل مع المواشي صحبة أسرته يحاول جهده أن ينجيها من الهلاك.

خدمة طريق جالو … سخرت في مجموعة عمال 70 شخص إلي منطقة جالو وأوجلة و بقيت هناك سبعة أشهر ورجعت قبيل الترحيل والضم إلي معتقل البريقه فلم أشهد وفيات كثيرة في معتقل العقيله.

أخذونا من العقيلة 70 رجل لخدمة الطرق في جالو وأوجلة. نقتلع ونجمع نبات الحطايا و نرصفه في المنخفضات لكي تتمكن الآليات الإيطالية من اجتياز الرمال في طريقها إلي الكفرة.  في اليوم رغيف خبز و طاستين سكر نمشوا أربعة أربعة و نرجع أربعة أربعة تحت سيطرة حراس أحباش عليهم مسؤول طلياني.

حالات الهرب … علي علمي لم يهرب أحد من العقيلة. بعض حالات الهروب حصلت في معتقل البريقه. مجموعة العواكلة الذين كانوا هربوا من معتقل التجميع في اردانوا (قرب طلميثه) قبل أن نصل إلي العقيلة، جاءت السلطات بعائلاتهم كلهم إلي العقيلة .  قبل أن يعاد تجميعنا من معتقل العقيله إلي معتقل البريقه، سمعت أن هناك من حاول الهروب من البريقه. اقتفت السلطات أثرهم وقبضوا عليهم و شنقوهم لا أعلم عددهم. الشخص الذي نفذ الشنق يخفي وجهه لكن الناس يعرفونه يقال له الطايل.  بعدها حاول آخرون الهرب وصدرت الأوامر من المسؤول الإيطالي لمتعقبهم من العرب بألا يقبض علي الهاربين بل يلحق بهم بالسياره و يتولي إعدامهم حيث يجدهم.

الأعياد الدينيه … أذكر أنه مر علينا عيد اضحي وكان صهرنا محمد بوالغرباوية صاحب سلطات في معتقل العقيلة زوجته شريفه من عائلة بو عطشانه من أقاربنا جاء ممتطيا فرسا ومعه كيلوات لحم كل كيلو علي حده يمر علي من يعرفهم وسأل أمي إن لم يكن لدينا عيد. أجابته عيدنا بالخير و الصلاة علي النبي فأشاح بالفرس و ذهب مبتعدا و نحن نتحسر ونلوم أمنا علي قولتها تلك حرمتنا من كيلو لحم.

شهر رمضان لم يلقي أي انتباه أو اهتمام بالمره فالناس ليس لديهم شيء يؤكل. يسرقون الخبز من (الطابونه) و يخطفون الكسكاس من علي الحلة. بل صار البعض يتسابقون علي مربض الهجن ليجمعوا ما يستطيعون من بعرها يفتتوه ليحصلوا علي ما فيه من علف الشعير فيجففونه و يقلونه يقتاتون به. آخرون لجأوا للجرذان فراحوا ينتشرون بحثا عنها فيصطادونها ويبيعونها أو يبادلونها بحاجتهم.

المعتقلين الملحقين … بعد وصولنا للمعتقل في العقيلة ألحق بعدنا معتقلي قضاء مرماريكا (البطنان )  من قبائل المنفه والقطعان إضافة إلي العبيدات الشرقيين و نزلوا خارج السياج. ثم سمح لهم بالانتقال إلي نواحي منطقة بشر مع قبيلة المغاربة.  عندما جاءوا كنت مازلت في معتقل العقيلة لكني طلعت إلي جالو ضمن عمال الطريق لمدة سبعة أشهر و عندما عدت كان معتقلي مرماريكا قد سرح لهم بالانتقال إلي نواحي بشر.  تردد عند قدومهم أن حمزه القطعاني عنده ذهب وأن الحكومة تنوي التفتيش وتأخذ ما تجده لديه لتوزعه علي المعتقلين ! فقام بإخفاء ما عنده بعضه أو جله بطريقة ما و يقال أن (الكابو) امويله بو الغرباوية أعانه في ذلك.

كان والد آل بو الغرباوية (عبد الكريم) لا يزال حيا و عندما يجتمعون في الليل كان ينصح أولاده محذرا بأنه لو عادت امرأة من هؤلاء الناس الذين تسوطونهم ستكافيكم بما صار.

المسؤولين علي المعتقلات … في ذلك الوقت المسؤول علي المعتقلين في البريقة والعقيلة يقال له (كاسوني) أما (باريلا) جاءوا به لأنهم قالوا من قتل له المحافظية (المجاهدون) أخ أو اب طلياني يكلف بمسؤوليات علي المعتقلين. طلياني آخر صغير السن اسمه (فريتاللي) قيل أن المحافظيه كانوا قتلوا أخاه. هذا يتخير أيا من المعتقلين كما اتفق ليصفعه علي وجهه .  الطلياني المسؤول في معتقل العقيله شاب برتبة ملازم ثان يقال له افريتاللو و بعد رجوعي من جالو لم يكن موجودا وبلغني أنه نقل إلي معتقل البريقه.  باريلا مارس العسف علي قبائل العبيدات بالتحديد كان له بيت داخل معتقل البريقه به كراسي يرتدي ملابس مدنيه . سمعت أنه سبق أن أسره المحافظيه وأمرهم سيدي عمر أن يبقوا علي حياته، صار المحافظيه يصطحبونه معهم ليحمل قرب الماء ثم أخلو سبيله بعد ذلك.

مجموعة  رؤساء (كابوات) من العرب الليبين كل منهم مسؤول عن شوط أو صف (ريقه) من بيوت وخيام المعتقلين. يرأسهم (كابو قروبو) الذي هو مسؤول عن عدد من الصفوف في ربع من الأرباع التي تشكل المعتقل. أما المسؤول الأعلي من العرب فهو (كابو دي كابو).

إدارة المعتقل … الإيطالي ثم الكابو دي كابو ثم الكابو ثم كابو ريقة (شوط). القبيلة عليها شيخ مربوطة به مشائح قبيلة ارفاد المرحوم الجبالي و المرحوم عبد السلام مسؤوليتهم تغيب أي من أفرد القبيلة يتلقون العقاب عليه. المسؤوليات الأخرى في توزيع فرصة جمع الحطب [أو التسخير بأجر] فرد أو إثنين من كل قبيلة .

المشائخ يرأسهم كابو مسؤول لكل شوط أو صف في يده سوط جلد عادة ما يكون عسكري سابق مع الطليان يضع شارة (اشبور) علي طاقيته. الكابوات منهم محمد بو الكاسح من قبيلة غيث و شخص ملقب بالمقصب من قبيلة شاهين يأخذوا التمام (النوفتا) من الشيخ و يعطيها للكابو اقروبو الأعلي منه. يرأسهم الكابو دي كابو وهذا يحمل شارة علي طاقتيه (اشبورين علامة حرف V مزدوج مقلوب ) شخص يدعى راف الله من قبيلة الحوته. الكابو دي كابو هو الذي يعطي التمام لباريله.

المخالفات و العقوبات … شهدت عملية شنق مرة واحدة رأيت رجلا يتدلي متأرجحا من المشنقة وكان يمنع علي الحاضرين أن ينظروا إلي الجهة الأخرى أو يطرقوا إلي أسفل فهناك شخص يمر خلفك ليضمن أنك تتجه ببصرك إلي مشهد الشنق. أما في البريقه فقد سمعت عنه إلا أني لم أشهده .

عقوبة عدم حضور التمام خمسين سوط، الشيخ لازم يبلغ عنك، الشيخ نفسه لم ينجو من الجلد بالسوط.  من تتغيب عن التمام من النساء، تقيد بالربط إلي عمود وتبقي ساعتين ويتم جلدها في وضع الجلوس.المرحومة (الصاعبة) كانت نافس في البيت بعد أن وضعت مولودا وكان الشيخ قد أعطى التمام كاملا و لم يبلغ عن تخلفها و غيابها. في حين هناك أفراد مكلفين بالتفتيش علي المتخلفين عن الجمع  اكتشفوا تخلفها في البيت مع مولودها، فعوقب الشيخ بالجلد خمسين سوطا.  في البداية، كان الجميع يحضرون التمام (الريقة) النساء يلزمن بالتمام (الترييق) و بعد ذلك اقتصر التمام علي الرجال فالشيخ يتحمل المسؤولية عن تغيب أي من أفراد قبيلته رجالا ونساء.

في البريقه شهدت جلد النساء مرتان وفي العقيله شهدته مرة واحدة تلك كانت امرأة سمراء ضبطت مع حبشي فجاؤا بها إلي طريق الميراد و ربطوها إلي عمود و رفعوا ثوبها إلي ما فوق نطاقها وبقيت هناك واقفة منكسة رأسها يراها كل مار مع الطريق.  الأمر في يد الرايس والعقوبة تنفذ فوري لا محكمة لا غيره. ولا يوجد سجن داخل المعتقل.

سمعت أن شخص قطعاني يقال أنه من آل بو اشوشينه لا أعلم جرمه قيل أنه جلد ألف سوط ! كان هناك شخص أخرص مقرب من الطليان يتولي حمل الضحية علي كتفيه ويمشي بها حتى البحر ليغطسه في الماء المالح.  من رمي بالرصاص من الهاربين تكفل بإعدامهم شخص مقرب من الإيطاليين يقال له الجبيهي لديه سيارة مزودة برشاش عليه حبشي طارد مجموعة من قبيلة غيث وأعدمهم بالرشاش.

مدرسة الأيتام (القزازين) … قرب نهاية مدة الاعتقال  أتيحت فرصة للأطفال الأيتام (القزازين) و أخذوا للمدرسة –داخل المعتقل- من ضمنهم عبدالله الجبالي وبنت لعلي بوالمصري و بنتان أخريان لآل امشاضي.

العون من خارج المعتقل … الأقارب ممن لم يستهدفوا بالاحتجاز في المعتقل غير متحمسين لإعلان صلتهم وقرابتهم بأقاربهم المعتقلين. أما من هم داخل المدن أو أجبروا علي ترك مواطنهم في الأرياف و الانضواء داخل المدن، فهم بين بابين تحكم الداخل والخارج بالقفل والمفتاح.  لم يصلنا مد أو عون من دول مسلمين شغلهم حالنا فلا علم لأحد بما يجري لنا. لم نكن نتصور وجود أي مسلم و لا نصراني غيرنا نحن والطليان ولا نسمع شيئا علي الإطلاق عن الآخرين باستثناء الترك.

حرث غوط بصوص … في فترة متأخرة لاحقة  أعطيت فرصة لعدد من المعتقلين للخروج لحرث منطقة شرق بشر في غوط يسمى (بصوص).كنت فيمن خرجوا للحرث و كان معي عوض الرداع. استجلبت السلطات محاريث خشبية وبذار شعير و حوالي عشرين ناقة مدجنة للحرث لعلها من إبل قبيلة المغاربة. كان المكلفين بالحرث من معتقل العقيلة. قضينا في الحرث مدة 15 يوما تقريبا .  عند الحصاد قد يقوم أي من الحصادين – قبيل انتهاء اليوم – بحك بعض سنابل الشعير وصب الحبوب خلسة في قنينة المياه (فياشكا)، حتى إذا ما بلغ خيمتة أفرغ القنينة مما فيها من حبوب قوتا لأهله. ثم أن أحدا أبلغ السلطات بالأمر فوجد الحصادون تفتيشا عند بوابة المعتقل. يؤمر الجميع بإفراغ قنيناتهم مما فيها فينكشف الأمر و يأتي العقاب.

الترحيل مرة أخرى من معتقل العقيله إلي معتقل البريقه … بعد أسر عمر المحتار ضمت السلطات من بقي من معتقلي العقيلة علي من بقي من معتقلي البريقة. كان معنا (أقاربنا عائلة بو عطشانه) علي النصر وله بنتان وليس له ولد, حمد بو عطشانه ومازق والشايب محمد وولده مرعي، محمد مازق طفل يرتدي طربوش، حمد له ولدان الصالحين و أمه شريعه.  عائلة عبدالواحد الساعدي ابنه صالح امحافظي أولاده في المعتقل الساعدي و محمد وابنته ناجية. أم اشناف ولدها امحافظي. عوض الرداع لأن ابنه جبرين عوض امحافظي. ابوبكر كان تحصل علي وظيفة كابو وفي الأصل جاءوا به للمعتقل لأن أخاه عبدالخالق بو عبد الواحد محافظي.

فرص العمل … بعد أن استنفذ الاعتقال و الحشر و الجوع و المرض فعله [في السنة الاولي] توفرت فرص عمل في شق الطرق عمل فيها الناس بالقرعة (علي القبيلة و علي الفرد) . العمل من طلوع الشمس إلي مغيبها (من زرقتا الـ حجتا) اقتلاع و تكسير الحجارة و البالة و الكرويله . بعض النساء يقمن بإعداد الطعام للشغيله و يتناولن أجرا اربعة سفريته في الشهر.  الأجرة للرجال سبعة فرنكات في اليوم. الفرنك خمس سفاريت و السفريته اربعة مليم صولدي اصغير و صولدي كبير وهناك فرنكين مقرونات عليهن فاس موسوليني. كيلو السكر بفرنكين و كيلو الكاكاوية  بفرنكين.  عملت في (ابريزة شهوان) غرب اجدابيا كان معي حسين بو حمد نقتلع و نكسر الحجارة ثم عملنا علي فاقون ينقل التراب و يسير علي قضيب سكة ومعنا من النساء المرحومة جندية (نفاقه). لكن فرصة العمل في البريزات محددة بفترة معينه لأنها توزع علي القبائل بالفرد ثم بالتناوب عيت ارفاد كذا و عيت منصور كذا

طريق بالبو (ابريزة الألف) … بعد أسر عمر المختار، أخرجت السلطات ألف شخص من المعتقلين ليعملوا في شق طريق (طريق بالبو) معهم 100 امرأة (نفاقه).  بعد ذلك بفترة غير قصيرة، طلبوا المشائخ بينهم الجبالي بو علي وقالوا لهم أن الحكومة تريد إرجاعكم إلي مناطقكم ولكن المناطق المسرحة من مرتوبه شرقا اما المنطقة الجبلية فلا.  الشيخ علي بو محمد لم يخرج من الحبس إلا بعد اعتقال عمر المختار. جاءنا في معتقل البريقة و كان معتلا بادي عليه المرض. وعندما كان أقاربه مجتمعين حوله في البيت نادى البراح في طلب المشائخ (في المعتقل) للحضور في بيت باريلا فذهب ابنه المرحوم الجبالي علي و ذهب معه المرحوم عبدالسلام الساعدي.

أبلغهم باريلا بنية الحكومة إخلاء سبيلهم و إعادتهم إلي ديارهم فعلى كل قبيلة أن تبين موطن سكنها وأن تكتب في طلبه شرط أن تكون خارج منطقة الجبل من مرتوبة شرقا.

مواطني الجبل من قبيلة منصور لم يجدوا جوابا. قبيلة بو جازية سجلوا منطقتهم المرغوبة (مرتوبة) و قبيلة ارفاد سجلوا منطقة (التميمي) معهم قبيلة شاهين و سجل باقي القبائل مناطقهم التي يرغبون العودة إليها.

ConcCampsMap

من اعداد محمد مختار الساعدى

 

جاءتني ورقة من الاستاذ محمد الساعدى بعنوان ” المشعثين المغبرين ” .  الورقة من وحى تلك الأيام الرهيبة التي عاشها شعبنا فى برقة و البطنان خلال سنوات الاحتلال الايطالي من 1929 الى 1934 ، حيث جمعت قبائل البدو الرحل فى معسكرات اعتقال حتى لا تمد يد العون لعمر المختار و رفاقه .  مكان الأحداث التي يكتب عنها الكاتب هو عين الغزالة أو نواحيها ، و هذا المكان يقع – ما بين مدينتي درنة و طبرق –  و قد خصصه غراتزيانى للتجميع المبدئي لقبائل العبيدات قبل ترحيلهم الى معسكر العقوبات فى البريقة و العقيلة .  و لقدوم ذكرى ” يوم الحداد ” الذي سيحل علينا بعد عدة أيام ، استأذنت صديقي لنشر ورقته فى مدونتي و سمح لي مشكورا بذلك وفاءا لهؤلاء المشعثين المغبرين ، منهم من ابعدوا و منهم من قضى نحبه على أعواد المشانق أو فى ساحات القتال ،  يوم أن كان للوطن معنى لعله غير معنى هذا اليوم .

كتب محمد الساعدى :

لاح له عند مد البصر صرح أو بناية قديمة تعتلى ربوة ناتئة بعض النتوء .  تمتد الربوة فى طرف من حيث أتى و تنهد فى الطرف الأخر حيث يتجه .  لعله قصد بموقع الصرح هذا أن يشرف على ما بعده من سهوب فيجعل مسافة كبيرة منها تحت مرمى البصر .  كان ظن الصرح القديم ذلك بعضا من خرائب أو صيرة قديمة أو أثر من إحدى قرى الغابرين ، الى أن بدا عند الاقتراب منه أكثر جسامة و أقرب أطرافا .

تصعد الربوة من جهة منخفض يحاذيها حتى بلغ الصرح فوجده مختلفا عما عهده من خرائب و قرى قديمة غابرة ، فليس ثمة بئر يتوسط المكان و لا أثر لكسر الفخار من أولئك الناس الذين كانوا يوما هنا يتعيشون فعلم أن هؤلاء جاءوا ليسودوا و ليس ليتعيشوا .  يقابله عند واجهة المدخل نقش رسم بكسارة الحجر ، نضدت فى صنعة و مهارة حتى يميز الناظر إليها صورة حيوان بين الكلبة و اللبوة ترضع صغارا ليسوا من جنسها بل صغارا آدميين .

فى الساحة الخارجية يتوسط أثر و فتات من خشب لوتد ضخم أو ما بقى من عمود يغور و ينغرس فى الأرض ، ربما كان يوما سارية علم و بيارق .  حاول أن يتخيل ما كان لون البيرق أو العلم الذي رفعته السارية و كم رفرف عليها و أي ريح لامسته و فردته و كم سمعت السارية صامتة من هتاف و نده و عسكر و نعوت و تحقير و تعظيم .  و يوحى المكان من داخله بما كان عليه من جسامة و علو و ما تزال مواضع فيه على قدر من المتانة فلا شك أن القوم يحسنون صنعة البناء .  جاس فى الأرجاء و وجد الجدران القديمة تزيد فى مواضع عن ارتفاع فارس على جواده .  و فى موضع واسع من المكان نتئت من الجدران بقايا حلقات معدنية لعله اصطبل خيل أو حضيرة هجن .

تذكر ما كان سمعه عن أولئك الخيالة و الهجانة و كيف كان الناس يتقون أذاهم و لا يجدون أنفسهم ندا لهم أو لسيدهم و لا حيلة لهم أن يشكوهم لأحد أو يختصمونهم عند قاض عدل من غير جنسهم .  صار يفكر كيف وطن الناس أنفسهم على مهادنتهم و موالاتهم بل و الانضمام إليهم لينالوا قوتهم أو يأمنوا على عيالهم و كيف ألفوا أن يوالوا و يطيعوا و يذعنوا و يغالوا فى طاعتهم و فى إذعانهم .  ثم كيف أن لم يفعلوا ذلك صب عليهم الغضب و  قاسى العذاب فيحرق زرعهم و يهلك ضرعهم و تضبح فيهم الطقطاقة تنثر حبا تسمع الأذن أزيزه و لا تبصره العين إلا فيما يتخطف من الناس .  يصرع الحب من يصيب فينبثق الدم ممن يصرعه كدم الشاة يسيل على الأرض برهة حتى إذا ما أجتمع مع ساخن التراب أو بارده ذهبت رغوته و زبده و تخثر و دكن لونه و حال من الوقت أسود يجف بعدها و يتقشر و تذروه الرياح مع سف التراب .

حضر له بعض أسماء ممن سمع عن منيتهم فخال نفسه يتعرف على أخر مكان وطئوه و أخر مرأى رأوه و أخر نفس شهقوه .  هناك رمى ( سعد ) بالرصاص و جيء به محمولا على غرارة فما وصلوا به بيته إلا و كانت الغرارة قد ارتوت و صار الدم يرشح منها فدفنوا الغرارة معه .  و لعل فى مكان أخر توجد زيتونة ( صالح ) حيث علق على نصفين .  ذكر أسماء أخرى و أماكن أخرى فلعله غير بعيد أردى ( على ) و أردى رفاقه التسعة و بقيوا حيث أردوا و لا تكاد تجد لأحد منهم قبر أو شاهد .  حضره نوح النائحات و نديب الندابات:

هابا عللى منا غابوا   من غيبتهم ما ننهابو

كلمهم عاكس لشناب   و هم ما هابوا       عالزينة تمو يزابو

هابا يا رقاد الناب  رمايا و ادماهم سكلاب

فى ناحية أخرى من المكان وجد أثرا من جذعين متباعدين كابتعاد قوائم باب أو مدخل ذي اتساع ، لكنها كانت فى ركن لا يصح فيه باب أو مدخل ،  تبين عندها ما بقى من درج لمصطبة أو منصة بين القائمين ، فشعر برهبة هذه البقعة أكثر من غيرها و وجد نفسه يخلع نعليه إذ يستحضر ما تحكى عنه العجائز يذكرن كيف كان الرجال يصعدون المكان مكتوفي الابدى ، و كيف يعلقون من رقابهم و يلفظون أخر أنفاسهم فتتدلى أجسادهم تنتفض برهة ثم تهمد بلا حراك .  تذكر ما كان سمعه عن ( الطيف ) ، قال لعله فى مكان كهذا المكان ينقطع به الحبل فيهزئ من شانقيه و يقول قولته الشهيرة ” غير عليك حكومة حتى احبالها بايدات ” .

حسب ما سمع و لم ير عن ذلك الزمن الذي انقضى أن مثل هذا الصرح عشرات كما أن الآلاف قد قضوا ، و سالت دماءهم أو علقوا و لم تسل منهم دماء .  لم يكن ذلك ليجعله يستوحش من المكان بل ظن أنه ما ساقته خطاه مصادفة الى حيث كان فشاء أن يتيمم و يبيت بين المنصة و القوائم و يقضى الليلة فى هذا المكان .

فى نومه خيل إليه أنه يسمع وقع الأقدام و النعال الغليظة و الرطانة و الصياح و الزجر و النهى و الأوامر و التوبيخ و نابي الشتم و التصغير و القهقهات .  و خاله يرى لمعان الأحذية الطويلة و ألوان و بريق النياشين و يعجب لاختلاف هيئة لابسيها و ملاحة بشرتهم و سود قمصانهم و النظرة التي فى عيونهم و كثير طعامهم و قناني خمرهم و نهمهم و إقبالهم عليه و ولعهم به .  ثم يعجب كيف لائ من المشعثين المغبرين الجائعين أن يهزأ من كل هذا و هو يساق للموت و يحز الحبل عنقه فينتفض كما الذبيحة و كيف تبقى الكلمات طويلا بعد أن يكون البدن قد همد أو لم يعد ثمة بدن .

عندما أفاق فى الصباح خرج الى حيث يوجد نقش اللبوة و صغارها فأعمل فيه تهشيما و تحطيما حتى أتى عليه .

 

إضافة و تصحيح … بتاريخ 22/10/2009

بعد نشر النص اكتشفت بعض النواقص التي كان من الواجب إدراجها بالتدوينة وفاء لذكرى  هؤلاء ” المشعثين المغبرين ” و جهادهم النبيل ، لذا فاننى ألحقها فى هذه الإضافة :

 1 – ما ورد فى المقدمة من أن موقع عين الغزالة خصص لتجميع قبائل العبيدات  كان  صحيحا ، و لكن من الصحيح أيضا أنه كان لتجميع قبائل المنفة و القطعان و بعض أولاد حمد الطلوح ، و هم من كانوا يقطنون الإقليم المسمى مرمريكا ( شرق درنة الى الحدود المصرية ) .

2 – وردنتى الأسماء التالية من الاستاذ محمد مختار الساعدى من بين من أعدموا بمعتقل عين الغزالة : سعد الجبالى الرفادى ، محمود بلقاسم الطلحى و مازق بالقاسم الطلحى ، سليمان الشاعت القرباعى ، صالح الوادى الطلحى ، عبد الله محمد الحمرى ، عبد الله الواحدى ، محمود سعد محمود القطعانى ، بوبكر البايد القطعانى ، عبد القادر المسماري ، بو قعيدة الفاخرى ، صالح حمد لربد ، و ذلك إضافة الى الطيف بو امصورة الغيثى مع أقاربه حمد الطيف و الهونى الطيف و عبد ربه محمد و السنوسي محمد ، فرحمة الله عليهم جميعا.

” عادة ما تبدأ الأشياء الجميلة والرائعة بفكرة بسيطة ، وحلم يبدو أنه صعب التحقق في بادي الأمر ، ولكن سرعان ما تتحول هذه الأحلام والأفكار إذا ما وُجِدَ من يحيلها إلى حقائق على الأرض ، إلى هاجس يومي وفيض من العطاء والبهجة والتفاعل الحميم .فمن منا لا يهفو إلى إغفاءة أو جلسة تأمل في ظل نخلة وارفة , هناك في قلب السكون الكوني الشامل ، ومن منا لا يتمنى أن يستعيد مغامرات الشباب المبكر ، ومن هذا الذي لا يتمنى التعرف على الواحات اليانعة النظرة المنبثة بين أحضان الصحراء التي تحيط بها الكثبان الرملية الساحرة والجبال الشامخة حيث الرمال من ذهب والماء سر الحياة . هذا هو مهرجان الخريف ، كان حلم يراود الحالمين والعاشقين من الفنانين والأدباء وعشاق الأرض من أبناء وفتيات ورجال ونساء وشيوخ وعجائز مدينة هون ، حتى تحول إلى كرنفال بهيج يقام خريف كل عام . “

 

هكذا يقدم مهرجان خريف هون على صفحة موقع “ مهرجان هون السياحي الدولي “، و يشمل مهرجان التألق و الإبداع السنوي لمدينة هون المناشط التالية :

* عروض الفرق الصوفية .

* عروض لأغاني الأطفال .

* عروض للرقصات الشعبية والأهازيج التي تقام في المواسم .

* عروض لفرق الفنون الشعبية المشاركة .

* عروض للأزياء التقليدية .

بالإضافة إلى معارض تبرز :

* التمور ومنتجات النخلة .

* الحرف والصناعات التقليدية .

* المقتنيات الشعبية .

* الحلي والملابس الشعبية .

* المأكولات الشعبية .

* الأعشاب الطبية .

* الفنون التشكيلية .

* الخط العربي والنحت .

* الصور الشمسية .

* معرض الكتاب .

بينما تقوم المدينة القديمة بأقواسها المتساندة بإدخالك إلى ذاكرة الماضي ، و تشاهد  تجسيد الحياة التقليدية اليومية و عروض لألعاب الأطفال و لوحات العرس الشعبي ، و في المساء تشاهد عروض قوافل النقل الصحراوي و غيرها .

 

هي تجربة لا تنسى ، و حدث شعبي مميز وسط طبيعة صحراوية خلابة .

الصورة منقولة من موقع ” مهرجان هون السياحي الدولي “

houn girl

الارشيف

  • 162,173 hits