سلمني الصديق محمد التميمي مسودة الفصل الأول من حكاية عجب، و هي من حكايات التراث الليبي القديمة التي تلتصق بحياتنا فى عصور غابرة و تمتلئ حكمة و دراية بالحياة كما يمتلئ عصرنا الحالي عجبا بلا حكمة .  تم تأليف النصوص الإضافية إلي حكاية حد العجب الشعبية من قبل السيد عبد النبي اجويدة الرفادى – طبرق 2004 ، مع إعادة كتابة علي هامش النص الشعبي ، بقلم الصديق محمد التميمي بنغازي 2007 .

 

حكاية الحكاية

ينتظر من في البيت عودة القطيع كل ليلة، يتخذون مكانا معتادا في المدخل عند شرعة في الرواق الشرقي، يترقبون وصول أولي الشياه القادمة من عتمة الليل حيث تنسدل عباءة من ظلمة وتومئ نجوم أو يلوح بارق بعيد. تتشاغل الأم و الجدة بالاصطلاء مع الصغار الساهرين حول وريث نار وجمرات و يشغلنهم بصنوف من الأحاجي والحكايات.

هذه صورة قديمة خبرها البعض ولازلت أذكر عناوين من تلك الحكاوي، (نقارش) و (بنت السلطان) و (أم بسيسي) و بوزيد و أولاد أخته شيحا و يونس و الصفيرا عزيزة.

لعل من المشتغلين بالتراث عموما أو ثقافة الرحل علي الخصوص من ينتبه لتلك الحكايات فيستقرؤها ويفسر مدلولاتها و زمنها الذي يوغل في القدم ليس لمسافته وبعده بل لسرعة ما يستجد من تبدل و غيار.

لعلني لذلك صرت أعاف الخيال المعلب في رسوم وشخوص تقتحم عبر أسلاك و تتمدد بحبال و بدون حبال فتلغي خيال الشعاب والأشعار و الترحال و تسفهه، تزيح الحكايات والأسماء والأماكن التي كنت ألفتها إلي ركن قصي حتى تتوارى أو تأبى الظهور وتبدو شجية أو سقيمة خاوية بلا اسم أو هوية أو حضور.  فهل يرسلني فقدان الهوية و الحضور لأفتش في زمن قديم و ألتمس مواساة الأساطير.

خطر ببالي أن أدون بعضا مما أتذكره من حكايات ولم يكن ليزد عن بضع صفحات وبقيت كذلك إلي أن طلبت فيها رأي صديق، فأخذ يذكرني بأنها تبقي مادة مفيدة إن جمعت علي أصلها ثم استطرد وقال: أنها لو وجدت صانعا يحسن الصنعة ليعيد فرزها وخلطها وغزلها فلا أظنها إلا قائمة من الموات حية نابضة بالحياة. وما أن رأى وقع كلامه حتى أردف وقال: إذا لمست شيئا يجعلك تنصرف إليها و يجعلها تحضر إليك فربما قدمت لنا نوعا من القصص يحل علينا من فضاء نفتقده ولعلنا نتوق إليه.

هذه إذاً حكاية هذه الحكاية.

 

كان يا ما كان

 

( …… كان يا ما كان في زمان غير هذا الزمان و مكان غير هذا المكان فتي يدعي امقاوي  بو حميد بن غيضان صارت له سيرة مع ابنة خاله “عجب” نحكيها إلي أن يدركنا الأوان فننشغل بحلب الشياه و إرضاع الجديان………”

توفي والد امقاوي ولم يبلغ الولد عامه السابع. ولم يكد ينقضي عام علي وفاة الوالد حتى مر يوما بهم رجل من قوافل القبلة، تقدم خاطبا أمه فتزوجته.

لا تصحب القافلة أطفالا لبعد المسير وتداول البرد و الهجير وكرهت أم امقاوي فراق الصغير لكنها خشيت عليه من مخاطر السفر و العيش في غير أهله.

أشارت عليها عجوز أن تودع الولد عند عمه حتى إذا ما هب الخريف وعاد القفل عرجت علي مضارب أهلها و اجتمعت بوليدها فإن شاءت اصطحبته وإن شاءت بقيت معه.

ارتحلت أم امقاوي  ومر خريف من بعد خريف إلي أن جاء من قال أنها ماتت عام الحمى وأنها دفنت علي قارة تشرف علي دروب القوافل المبحرة وأنها أوصت بكتابة علي شاهد القبر تقول:

كبدي علي اولدى أو كبد أولدي عالحجر        واللي عـ الجبين امسطرات نصيب

جبته من بين بدر أو غانم                            أو صفيت أصله نين راح حليب

ان جاه المخبر يشد من عزا يمه                   اجعله وين ما يمشي أيديه اتجيب

 

حد العجب

 

كان لـ امقاوى ابنة خال تسمى “عجب” و كانت علي قدر من الحسن والجمال شغف بها الشباب و الشيب. تعلق قلب امقاوي بابنة خاله وكان رأى منها مودة شجعته علي مداناتها و التحدث إليها. حتى كان يوم من أيام الصيف التقاها في ذيل الوادي عند عقر الماء وشاء أن يحدثها بما في قلبه فما أن أذنت له حتى بادرها بالقول:

يا ابنة الخال اننى بك لمن المعجبين وفى الزواج منك لمن الراغبين وأود أن أتقدم لخطبتك فأنبئيني ماذا ترين؟

كانت تعلم أنه يحسن الكلام وسمعت أنه يقرض بعض الشعر لكنها لم تكن تحسب أن يتعجل الأمر علي ذلك النحو و لعلها فوجئت بعض الشيء إلا أنها تبسمت وقالت:

يا ابن العمة وأنت لا تأبه لهندام، فإنك حسن الطلعة وبك من الخصال ما تتمناه أي فتاه، أما أمري فليس كما تظنون معشر الفتيان.

وجم امقاوي وأطرق وصار ينظر إلي صفحة الماء وكأنه لا يراه، فبدا لابنة خاله ساهما شاردا حتى أسفت علي اعتباره نظيرا لها وندا، و ودت لو كانت جاملته كغيره أو ترفقت به، عندئذ سمعته من صمته يقول:

……و الله …..إنك شراب العين وإن لي بك حاجة لن أجدها عند أحد أبدا.

لم تسمع”عجب”في حديث الفتيان كلاما كهذا فأيقنت أنه صدقها القول، و انتابها دفق من مشاعر لم تعهده، كشيء بين البهجة و الأسى، صمتت برهة علها تتبينه ثم قالت:

إنك حقا تحسن ما يربك من الكلام، ولعل عندي مثل ما عندك، لكن يا ابن العمة ما سرني أن أحملك ما لا تستطيع، فقد لا تقدر علي مهري. وإذا كنت تراني فريدة فعلا كما تقول فلن يكون مهري إلا فريدا لم يجر لا من قبل ولا من بعد.

نظر امقاوي في عينيها فنسي أن يخفي وجيف قلبه بل ود لو تسمعه و تقرأه و تراه، ثم كلمها فقال:

لا عليك من شيء أين يكون وكيفما يكون فكل صعب فدى عينيك يهون.

أراد – و قد وجد لسانه الكلام – أن يسترسل و يزيد غير أن”عجب”لجمت حماسه إذ سمعها تقول:

ها أنت كغيرك تتقول ما يشبه الشعر و لا أخالك إلا وقد سمعت عن العجب العجاب وما هو بالأمر اليسير ولا أبتغيه مهرا لي.

سكتت برهة مستطلعة وقع كلامها عليه ثم استطردت وقد تغيرت نبرة صوتها كأنها تختبره أو تتحداه و تدفعه دفعا ليختبر نفسه وقالت:

بل أطلب أن تأتيني بحد العجب إن بلغت أقصاه ومنتهاه، ذلك ما أراه مهري وذلك ما أرى أنك وحدك القادر عليه.

تعجلها امقاوي قائلا: دليني عليه في شرق أو قبلة أو مغارب، أركب البحر إليه أم أضك عوج المسارب، كيف هو حد العجب هذا و كيف أعرف أنه هو.

لعل”عجب”أرادت ينظر إلي ما تعتقده صميم الأمر فقالت:

أراك تنشغل بالمسافات و بالأيام فهل دريت بعدُ عما تبحث و أين ستبحث، وإن شئت سأمهلك من الوقت ما يكفي لجلاء أمرك. اذهب في أرجاء هذه الأرض، سائل الريح و السهوب والوديان واذكرني عندها، ابتعد ما شئت فلعلك تدنو،  احسب كم هلالا أهل و كم قمرا أفل حتى إذا لم يسعفك مثل ذاك الحساب تدبر غيره فربما بلغت ما تُخلفه  فيكون سلوى للناس.

نرجاكم ثلاث أسنين             أو عـام زيده اوفـايه

لا فرح لا كحل في العين       لا أحضور لمـة صبايا

ولا اجيبني قول قايلين          ولا أيكون غيرك أمنايا

ولا في نأخذ تضانين             راه مـا عليـك الـغنايا

انطلق امقاوي  وقد عمه سرور غامر لما سمع من قول ابنة خاله مستأنسا بما صرحت به من مشاعر معتقدا أن سنوات ثلاث لابد أن تكون كافية ليبلغ غايته فيعود إلي وليفته سالما غانما.

ما أن غربت شمس ذلك اليوم حتى بدأت تعتريه حيرة وكدر فكيف للمرء أن يبحث عن شيء لا يعرف له شكل أو طبع أو وجهة أو مكان و قال في نفسه لعل”عجب”كانت تختبره في شأن آخر أو أن وجده أربك صفاء فهمه فالتبس عليه الأمر. ربما يحسن أن ينتظر ليلقاها مرة أخرى فيستوضح ما التبس عليه. تذكر قولها أن يضرب في الأرض وأن يساءل الريح والوديان فكيف يكون ذلك.

خطر له أنه بحاجة لعراف وتذكر صابر التقاز ضارب الكف الذي بستقرئ الحصى فقصده في ضحى اليوم التالي و رجاه أن بستقرئ له.

 

ولدت مدونة ليبية جديدة لصاحبها محمد مختار الساعدى مع أول تدوينة له بعنوان ” من الفيزياء الى العواطف و بالعكس ” .  تتناول التدوينة موضوعا طريفا و ذكيا حاول فيه محمد تفسير التوتر و الإجهاد النفسي بقوانين فيزيائية …

المدونة تحت هذا الرابط :

صدى الأفكار

فمرحبا بالأخ محمد مختار الساعدى فى عالم النت …

غابة الرجمة المسماة نسبة لقرية الرجمة ( و المسماة بدورها نسبة لبئر كان يسمى الرجيمة ) ، و التي تبعد حوالي 25 كلم شرق مدينة بنغازي ، هي منطقة تلال و مرتفعات ، ترتفع حوالي 300 متر عن سطح البحر . تبدأ هذه المرتفعات من وراء مطار بنينا و تستمر فى الارتفاع شرقا و شمالا نحو سفوح الجبل الأخضر فيما وراء مدينة المرج .   منطقة الرجمة شهدت حملات تشجير شعبية واسعة ابتداء من الستينات و السبعينات و حتى الثمانينات ، و هي إحدى منتجعات سكان مدينة بنغازي للزرادى و الفسحة و التريض .  المؤسف فى الأمر أن أشجار هذه الغابة شهدت مرضا غريبا يصيب الأشجار لاحظته شخصيا منذ فترة التسعينات ، تصبح الشجرة فيه تنز سائلا كالدم لونا على سواد من جذعها حتى تفقد عصارتها الحيوية ثم يصيبها الجفاف و بعده تسقط وتصبح هدفا للحطابين .

يوم أمس و فى جولة سريعة فى أطراف غابة الرجمة رايت منظرا حزينا لأشجار عدة و قد ماتت و تبدو آيلة للسقوط ، فهل سنقول يوما أين ذهبت كل هذه الأشجار ؟

162_6219

162_6221

162_6226

DSC01158

DSC01160

DSC01164

DSC01167

DSC01170

DSC01171

كتب عبد الدائم السلامى المحرر الثقافي  بجريدة العرب العالمية مقالا بعنوان “ابتسامة الغول” ، تطرق فيه إلى فكرة خرافة الغول في الثقافة الشعبية العربية منذ أزمنة سحيقة ، فقال :

 

هو كائنٌ خُرافيٌّ موجودٌ بالقُوّةِ في الثقافةِ العربيّةِ الشعبيّة نُخيفُ به صِغارَنا متى تمرَّدوا علينا بعدَ أنْ كان أخَافنا كثيرًا ونحنُ صغارٌ نُحاوِلُ الخروجَ عن عَصَا طاعةِ مَنْ حولِنا من الأقربِينَ. وقد يكونُ لجيوشِ الماغولِ وأفعالِهم الشنيعةِ دورٌ في استِنْباتِه في الذّاكرةِ العربيةِ، ولكنّ الثابتَ أنّ صورةَ الغولِ جاوزتْ هذا الكائنَ الأسطوريَّ، وتربّعتْ في الدِّماغِ العربيِّ وعرّشتْ فيه بنواهيها ومُحرَّماتِها حتى باتَ الواحِدُ منّا يخافُ ظِلَّه ويرى في كلِّ فعلٍ يرومُ إتْيانَه بابًا مفتوحًا على سوءِ التأويلِ بما يسمحُ بخُروجِ أسرابٍ من الأغوالِ أو الغِيلانِ تمتصُّ ما بقيَ فيه مِنْ دَمٍ بارِدٍ مُتَجمِّدٍ بعروقِه. ومن ثمّة، قَلَّ الفعلُ الفكريُّ العربيُّ وخَفَتَ هديرُ الاجتهادِ والإبداعِ وشاعتْ بينَ الناسِ عُطالةٌ تشرّبتْها أدمغتُهم مثل تَشَرُّبِها الخمرةَ العتيقةَ ونامتْ بفعلِها نومتَها الأخيرةَ تنتظرُ إبليسَ.

***

ولعلَّ الذي يُخيفُ في الغُولِ هو عَدَمُ تشكُّلِ هيئةٍ له في المخيالِ الجمعيِّ وخروجُه عن دارةِ الوَصْفِ باللُّغةِ. فلا أحد يستطيعُ أن يُوصِّفَ الغولَ مُطْلَقًا، ذلك أنّه مهما اجتهدَنا في البحثِ له عن إِهاباتٍ إلاّ وجاءَ مَنْ زادَ عليها. فباتَ الغولُ كائنًا مفهومِيًّا عجائبيًّا غائمًا لا يحدُّه الوصفُ العقليُّ ولا يطالُه التفسيرُ. وهو أمرٌ أكسبَه إمكانَ التشكُّلِ وِفْقَ حجمِ الخوفِ الذي نريدُ أن يَعُمَّ الآخرَ، وَوِفقَ ما يتجاوزُ قُدرةَ هذا الآخرِ على التصبُّرِ من الخوفِ. وعليه، كان الغولُ وسيظلُّ يخرُجُ من حيثُ ندري ولا ندري، وله الأزمنةُ كلُّها وله جميعُ الأمكنةِ، وله أن يفعل فينا ما يفعلُ دون أن يخضعَ إلى قانونٍ أُمَميٍّ ولا إلى دخولٍ في لائحةِ الإرهابِ أو الترهيبِ.

***

والظاهرُ أنّ مفهومَ الغولِ ومروقَه عن الحُدودِ اللغويّةِ والتشريعيّةِ والجغرافيّةِ قد أعجبَ كثرةً كثيرةً من بني آدمَ الذين يرومونَ السيطرةَ على الآخرين ونهبَ ثرواتِهم وتراثاتِهم وحقوقِهم العامّةِ والشخصيةِ. فأدخلوه مجالاَتِ الاقتصادِ والأخلاقِ والسياسةِ والرِّياضةِ والفنِّ والإبداعِ، وصارَ وسيلةً ناجعةً لفرضِ الأمرِ الواقعِ وتسييجِ حركةِ الناسِ في الأرضِ وكبتِ ما يجيشُ في صدورِهم من رِغبةٍ في البُكاءِ أو في الضّحِكِ أو في الرَّفْضِ أو حتّى في الصَّمْتِ. بل إنّ الغولَ خرجَ من المفهومِ لينتشِرَ في الأجساد الآدميّةِ، فباتَ كثيرٌ من الناسِ غِيلانًا يَشِيعُ منهم الخوفُ والرّهبةُ كما لو أنّهم جبالٌ ثِقَلاً وصلابةً وتصريفًا للريحِ إلى حيثُ تنمو مآرِبُهم ومصالِحُهم. وإذا اجتهدنا طاقاتِنا المعرفيّةَ في توصيفِ الغولِ قُلنا في شأنِه إنّه الكائنُ الوحيدُ الذي يسرِقُ حلوى الأطفالِ ولا يُجيدُ الابتسامَ لهم حتى من بابِ الضّحِكِ على ذُقونِهم.

 

المصدر : المقال منشور في جريدة العرب اونلاين بتاريخ 07/11/2009  … هنا ..

كتب رمضان جربوع تحت عنوان : بعد المقام الجديد ، هل من برنامج ؟

أوكل للسيد سيف الإسلام منصب رسمي ضمن مؤسسة الدولة. قد نفهم من ذلك اعتماد قيادتها العليا ومعها القيادات الشعبية لمفهوم ومنحى عملية الإصلاح في ليبيا، الإصلاح الذي منذ بدأ الحديث عنه صار عرضة لتجاذب مؤشرات متناقضة أحيانا؛ ما بين سلبية وإيجابية، وأخرى ترحب، وغيرها يستهجن، والبعض الآخر يحاول احتواء مفهوم الإصلاح أو اختطافه من خلال الادعاء باعتناقه أو عدم الحاجة إليه.

إذا اعتبرنا التعيين في منصب المنسق العام للقيادات الشعبية – غير واضحة المعالم الدستورية بالنسبة لنا (أو كما نقول بعاميتنا “لا نعرف لها كوعًا ولا بوعًا” – إضفاء الصبغة القطعية وإعلان النية بالشروع الفعلي في عملية الإصلاح، وإيقاف كل من يجدف عكس تيار مطالب المواطن العادي المشروعة، فنحن دون شك نرحب بذلك، وسنضع جانبا ما قد نكون نتمناه بصيغته المثلى وننصاع لواقع الحال ونتفاءل! وما يدفعنا لذلك هو عسر الحال، والحاجة الملحة لكم هائل من التغييرات، تتعلق بكوادر الدولة ومؤسساتها، والكيفية التي تمارس فيها السلطة في بلادنا، وآلية اتخاذ القرارات بها، وماهية الرقابة عليها تشريعاً وتنفيذاً. خطوات وشيكة قد تكون حاملة لزخم أكبر، يدفع بنا إلى التغيير المنشود، وتقويم اعوجاج هذه الدولة، والاعوجاج كما يتفق عليه المشتغلون بهموم المجتمع هو النذير بالحاجة للإصلاح؛ ولكن أي إصلاح نريد؟

الإصلاح لماذا؟

لأن المواطن من عامة الناس يعيش في مستوى متدن وقاس، عند المقارنة مع بلدان عربية نفطية “ريعية” أخرى، ولأن قدراته الإنتاجية محدودة جدا، بفعل التخطيط العقيم أو غير المستقر، والتنفيذ الأشد عقما والأكثر اضطرابا، ولأن منظومة الخدمات الصحية والبنية التحتية في أسوأ حال، ولأن أموال الشعب وثروته أهدرت وأسيء استخدامها، ولأن المحاسبة والمراقبة والضبط والربط لم تكن تفعّل كما يجب، ولأن ممارسة الشعب للسلطة بكاملها أعيقت ووضعت العقبات في طريقها وتعثرت؛ الدولة باختصار ترهلت ويبست عروقها، ولابد من تشخيص واستطباب. الدولة سيطر عليها متنفذون أو مدعون بذلك، عن طريق الصخب والهتاف وضرب الدف والصوت العالي؛ تولوا إدارة دفتها، وما لهم على ذلك من قدرة، واستمرؤوا القعود على الكراسي واستداموها، ومن وراء ذلك لم يحققوا ما يصبو إليه الشعب. يقول البعض إنهم ربما حققوا ما يصبون إليه لأنفسهم.

إذاً، المتوقع من الإصلاح هو إعادة هيبة وفعالية الدولة القائمة على مؤسسات على مستوى عالٍ من الشفافية والفعالية وإزاحة كل المعيقات. وهذا يتطلب التوصيف الحقيقي لواقع الحال، دون طبل أو زمر، ثم رسم الوضعية المثلي وهيكليتها، لإقامة دولة القانون والمؤسسات بعناصر مسؤولة خاضعة للمحاسبة الدورية والرقابة، وإعفاء كل من يقصّر، ورفع كل من يحقّق.

إلا أن الوضعية “المثلى” لن تكون في المتناول بقرار أو مرسوم، لأن شعبنا الذي يعاني مما سبق إيراده صار يعاني أيضا من ظاهرة أخرى معروفة في علم الاجتماع وكذلك في علم التاريخ، ألا وهي الانعكاس السلبي لثقافة الفساد والتسلط والمحسوبية في إدارات الدولة بمختلف تفرعاتها على قطاعات الشعب، فقد تغيرت لدينا -أي نحن عامة الناس- القيم؛ بل نكاد نقول الأخلاقيات الحسنى – إلا من رحم ربي- فعوضاً عن بذل العمل والكد فيه وطلب العلم والحرص عليه في سبيل الترقي ونيل المطالب، صار الديدن في هذه الأيام التربح عن طريق الصفقات وما يرافقها، أو الاتكال على الذهنية القبلية المقيتة، التي أخذت تزحف وتحل محل الوطن، الذي كان يجب أن يكون هو الأول. وهذا الأمر ليس بغريب، فقد حدث في كل بلدان العالم قبلنا، وعلاجه أيضا ليس بعسير، ولكن نورد الأيسر في عجالة:

عندما يرى عامة الناس المفسدين وقد عاثوا فسادا، وأثروا على حساب الشعب بالزور والبهتان وادعاء الولاء، ولا حساب لهم، بل هم يمرحون ويسرحون أمام الناظرين، بل حتى من تفوح روائح فساده، أشد ما قد يتعرض إليه هو وضعه على الرف لبرهة، ثم يفاجأ الناس بتبوئه مركزا آخر، ربما أكثر عطاء، هذه الظاهرة تدفع بالعديد، وللأسف حتى لدى الجيل الصاعد، لاتباع نفس السلوك والنهج، فالقنائص سمينة والفخاخ، إن وجدت، رحيمة.

إعمال للقانون واستقلال للقضاء كفيل بالظاهرة ووأدها، ولكن ذلك يتطلب حينا من الزمن حتى يؤتي ثماره، فما العمل؟

برنامج الإصلاح والبرنامج الطارئ:

أي إصلاح لا ينطلق من برنامج واضح المعامل، مبني على الواقع الحقيقي، مهما كانت مرارته، لن يكتب له النجاح، والبرنامج الناجح هو الذي يتوجه أولا وآخرا للمواطن العادي، الذي لا حول له ولا قوة، وحيث إن المشوار طويل، فهو أشبه ببناء دولة مؤسسات من نقطة الصفر. ولا إحباط في ذلك، إذا ما توخينا نظام المراحل الزمنية، بحيث توضع أهداف محددة لكل مرحلة، ولا يتم الانتقال إلى التالية إلا بعد التحقق من أداء السابقة، وتقويم ما عابها، وعلى أن يوضع نصب العيون أن الغرض النهائي هو إقامة دولة القانون والمؤسسات، مع محاسبة ومراقبة فعّالة وإعادة اكتساب ثقة المواطن وإدخال الأمل في صدره بأن الأمور أخذت في التحسن، وبأنه حتما هو الذي سيمارس سلطته مباشرة، من تشريع ورقابة تنفيذ، وسط سيادة كاملة للقانون على جميع مكونات الشعب وقطاعاته، بكفالة قضاء، هُيئت له الوسائل المادية والتشريعية وكذلك العناصر البشرية المشهود لها بالكفاءة والنزاهة، للقيام بمهامه.

العامل المساعد:

كعامل مساعد، وعلى قدر كبير من الأهمية، لا بد من إعلام و صحافة حرة كاملة الحرية، تحقق وتناقش وتحاور، وتطرح القضايا، وتتابع ما حدث وما سلف، مع إتاحة الفرص للمواطن للتواصل معها بإبداء الآراء والرؤى، والمقصود “بالحرة” هو أن تكون في حل من كيل المديح ورسم صورة مزدانة الألوان لواقع هو غير ذلك، وشريطة أن يتولى القيادة من يؤمن بالوطن أولاً وآخراً، الانتماء للوطن وحبه يجب أن يكون هو الديدن الأول لكل من يتبوأ منصبا في صحافة الإصلاح.

إعادة اكتساب ثقة المواطن:

نعود إلى النقطة الأهم، ألا وهي إعادة اكتساب المواطن وبث الأمل.

كل ما ورد يدخل ضمن الدراسة والبرمجة بمراحلها، ولكن لكي نمهد الطريق، ونضمن النجاح، يجب اتخاذ القرار العاجل برفع مستوى معيشة المواطن العادي الذي يلاقي الأمرّين، فنحن نعاني من بطالة، ونعاني من نقص كفاءة اليد العاملة، ونعاني الفقر وتردي الرعاية الصحية وهوان المؤسسات التعليمية، لا يكمن الحل في الابتداء بإطلاق مشاريع ضخمة لتشييد ناطحات سحاب ومجمعات أسواق فاخرة، وفنادق أفخر، أو حتى التوجه إلى مشاريع سياحية لسنا مستعدين لها، فليس لدينا العمالة المناسبة الكافية، ولا نملك حتى المقومات اللازمة الآن بما فيها الثقافية، ما يجب الانطلاق منه هو طرح البرنامج الطارئ التمهيدي الأولي، أي البرنامج الذي قد يخفف على المواطن بعض أعباء الحياة اليومية وأسرته، ومن ذلك نستطيع أن نطرح التالي:

·        حيث إن معظم مشاريعنا التي كانت تستهدف النهوض بالزراعة وإنتاج الغذاء- حتى لا نأكل من وراء البحر- قد تعثرت، وصرنا نستورد تقريبا كل ما نأكل وما نلبس وما نتطبب به ونعالج، وحيث إن محاولة حل إشكالية تعسر الحال عن طريق نفس الكوادر أو نفس العقلية و”الثقافة” إياها، التي استلمت الأموال الطائلة من الشعب للقيام بمشاريعه ستكون حتما عقيمة، وحيث إننا سنحتاج لوقت طويل لإعادة الهيكلة ووضع مقاربات جديدة ضمن مؤسسات شفافة، وكذلك لاختيار العناصر ذات الكفاءة – توضع مسألة الولاء على جنب في هذه الحالة، فالقانون يجب أن يكون هو الفيصل في ذلك، وليس القرار المسيس من قبل البعض- فإننا لا نرى جدوى بمشاريع متسرعة تنفق فيها المليارات دون تروٍّ كاف، والأجدر الابتداء بتخفيف أعباء الحياة اليومية. ومن خلال الواقع الذي نعيشه ليس هنالك من حل سوى إعادة سعر الدينار إلى ما كان عليه، وإرسال المعلومة إلى البنك الدولي وحقوق السحب الخاصة، إعادة الدينار الليبي إلى سعره القديم (3.36) دولار، كفيل بأن يزيح أربعة أخماس من الأعباء اليومية في شؤون الغذاء والعلاج والتعليم.

·        صحيح أن الدولة القائمة تعاني من تضخم أجهزتها الإدارية، ولكن الحل بإحالة الفائض من العمالة الزائدة أو التقليص إلى آخر المفردات المحبطة التي صار المواطن يعاني من عواقبها وكأنه هو المسؤول عنها، المواطن اضطر في فترة ما للتوظف في الدولة لانعدام أي فرصة أخرى تقريبا، إذا كان ثمة عمالة زائدةـ فيجب أن يستمر هؤلاء في تقاضي مرتباتهم، حتى يعاد تأهيلهم وتدريبهم ضمن برنامج يضعه أناس ذوو خبرة، أو بالاستعانة بمنظمات الأمم المتحدة المختصة بالتنمية. لدينا الآن بطالة تقارب في بعض الإحصائيات نسبة 30%، وإذا ما تم تفعيل التقليص فربما تصل إلى نصف عدد السكان بالتأكيد، ألا يكفينا ما لدينا؟

·        في جميع الأحوال، وإلى حين تبدلها، يجب، وعلى وجه الضرورة القصوى، إعادة منظومة الجمعيات الاستهلاكية التي كانت ولفترة طويلة عون المواطن في تحصيل السلع الغذائية المدعومة، المواطن لم يعد يكفي حاجته بواقعه اليوم. أما الأسواق الفاخرة “الانفتاحية” المليئة بكل ما لذ وطاب التي نراها اليوم فلا يقدر عليها إلا من كان مقتدرا أساسا، وهؤلاء قلة لا يصلون حتى لنسبة العشرة بالمائة.

·        أما عن القانون والمحاسبة فيجب الإعلان على الملأ، بأن القانون هو السائد، وأن القضاء مستقل، وأن أحكامه نافذة. بالطبع سيكون من المجدي أن يشرع في إصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية بما في ذلك النيابة، وتخليصها ممن ساءت سمعتهم، إذا لم يرى المواطن ذلك عيانا فلن يصدق ما سيقال له، ولن يتبدل حاله ولا سلوكه.

·        باختصار البرنامج التمهيدي العاجل والطارئ، ليس مطلوبا لغوث المواطن من ناحية ضروريات الحياة والخدمات فقط، ولكن لاكتساب ثقته وتشجيعه على الاندماج في منظومة ممارسة سلطته، وهو من أهم ضروريات نجاح عملية الإصلاح.

مباشرة بعد تفعيل مثل هذه الطروحات وغيرها، مما قد يزيح بعض الأثقال عن الكاهل، نباشر عملية الإصلاح الشاملة للدولة ومؤسساتها، لكي لا تهدر أموالنا مرة أخرى، الشيء الوحيد الذي لا ينقصنا هو المال، لدينا منه الكثير، ولقد أهرقنا منه الكثير أيضا، والإصلاح الشامل يجب أن يضع في حسبانه المعيقات التي ستقف في طريقه، وأهمها على وجه الإطلاق: الذين استفادوا ويستفيدون من الوضع القائم، فالحديث إليهم عن الإصلاح، بالنسبة لهم، بمثابة الحديث عن التخلي عما لديهم، وهؤلاء سيكونون من أشد أعداء الإصلاح ابتداء، ولهذا حديث آخر (ومن على رأسه بطحة فليتحسسها!) كما يقول إخوتنا في مصر.

منقول … المقال الاصلى للاستاذ رمضان جربوع … هنا

صورة الحاج عبد النبي

سبق و أن نشرت في تدوينه سابقة بعنوان ” كلمات شاهد عيان من زمن أخر ” ما رواه الحاج عبد النبي عبد الشافي الرفادى ” فى مقابلة مع الأستاذ محمد مختار الساعدى  عن ذكرياته فى معسكرات الاعتقال الفاشية و هو في سن الثالثة عشرة من عمره .  أجريت المقابلة يوم الأربعاء الموافق 23/01/2008 ، مع الاسترشاد بالاستبيان المعد من قبل مركز الجهاد الليبي .

و لكن ما نشر فى تلك التدوينة لم يكن كل ما رواه الحاج عبد النبي ، فقد حكي أيضا عن ظروف الحياة العامة فى تلك المعسكرات و ما قاساه الناس من ويلات فيها .  الآن  و بمناسبة يوم ذكرى المنفيين الذى يوافق يوم غذ ، أتابع نشر بقية الذكريات التي حكاها هذا الشاهد  تأكيدا على أن التاريخ لا ينسى ، و على أن الحق لا يسقط بالتقادم .  الكلمات التي تحكى عن تلك الفترة السوداء هي لأحداث حقيقية من فم شاهد عيان حدثت منذ ثمانين سنة فقط .

قال الحاج عبد النبي :

التمهيد قبل الضم للمعتقلات … قبل قرار ترحيل النجوع و ضمها فى معتقلات ، جمعت السلطة الإيطالية المشائخ والعمد وخيرتهم إما أن تحاربو المحافظية و تزودكم الحكومة بالسلاح أو أن ترفضوا فترحلون إلي المعتقلات.  المشائخ طلبوا مهلة للتدارس و الرد علي السلطات الإيطالية بقرارهم. اجتمعوا يتدارسون الأمر يقال أن بينهم رجل من المرج قال أن هذه مسؤولية لا نقدر عليها فوافقوه كلهم وبعد انقضاء المهلة أجاب المشائخ بأنهم لا قدرة لهم علي محاربة المحافظية. كان بعض المشائخ قد حبسوا في بنينه ثم نفي بعضهم إلي إيطاليا بعد ذلك.  الدور (الجبهة) الأكثر إقلاقا للسلطات الإيطالية هو دور عمر المختار في وادي الجريب (وادي الكوف) يصعدون منه جنوبا حتى منطقة خولان جنوب درنه يهبطون شمالا حتى الحنية علي الساحل غرب البيضا.

معتقل العقيله … المعتقل يسمى (كونفيناتو) المسؤول الإيطالي الأكبر هو غراتسياني. المكان منطقة رملية منبسطة نوعا يحدها من الأمام ( حهة الشرق) تبة ذات امتداد وفي الجهة الغربية يتكدس مرتفع من طوق رملي. في جانب من المعسكر جعل ما يدعي مستوصف من بويتات المعتقلين كانت يلا أعمدة تقريبا ردمت الرمال أجزاء منها.  تري (الكابو) واقفا و البويتات مصفوفة متلاصقة (الجازل في الجازل) في اشواط علي امتداد الصف (الريقه). كل قبيلة ترصف بيوتاتها في صف أو أكثر، آل ارفاد، يليهم آل منصور ثم آل غيث ، أما تقسيم المعتقل إلي ارباع كان معمولا به في معتقل البريقة وليس في معتقل العقيلة .

الحراسة و التسجيل و التمام … في العقيلة الحراس يراقبون السياج ليل نهار. يجمع المعتقلين من الرجال كل صباح يتمم عليهم شيخهم ويعطي التمام لمسؤول التجمع (الكابو اقروبو). هذا يرتدي شنه حمراء مميزة بشارة فضيه كعلامة (اشبور حادر على شكل حرف V ) . يتم التجميع للتمام (الريقه) صباحا و مساءا ثم اقتصر علي الجمع الصباحي.  يجمع الناس في الريقة متراصفين أربعة أربعة أحيانا من العصر حتى صلاة المغرب في انتظار الكابو ليأخذ (النوفتا) التمام. يظهر مهيبا (يلهد) علي جواده ويقبل الجواد مسرعا هابطا مع طريق تنحدر إلي أن يتوقف عند جمع المنتظرين فيتقدمون نحوه و يعطونه التمام كل عن صفه أو قبيلته.

الحصة الغذائية (الرسيوني) … الحصة الغذائية بمعدل نصف وقه شعير للنفر كل سبعة أيام. مكان استلام (الرسيوني) الاسبوعي عند جهة البحر. الكثير من الناس الذين لا يقوون علي الوقوف يزحفون للاقتراب من كومة الشعير، يحاول بعضهم أن يقنص قبصة منه في مخلبه، يلقمه إلي فمه علي عجل قبل أن يهم عليه الكابو بسوطه.  الكيال المرحوم محمد بو وهاب يتعمد أن يزيد المكيال بما قد تحوزه أصابع يده فيمتن الناس للحبات الإضافية. الحصة الغذائية (الرسيوني) ثابتة لا تتغير في رمضان و لا في غيره.  يقسم الشعير لأوجه مبادلة مقابل زيت و سكر وقوالب مكعبات صغيرة من شحم وهذه تجدها في الدكاكين القليلة (أربعة دكاكين) التي كانت بالمعتقل كانت لنصارى و يهود ليبين .  من له كسوة لباس أو هدمة يكتسي بها والقاصر له العراء.

الكثيرون لا تكفهم حصتهم الغذائية شيئا. عائلتنا – آل عبد الشافي – انتفعنا بثمن النعاج التي بعناها عندما كنا لم نزل في اردانوا شرق توكرة قبيل الترحيل إلي معتقل العقيله  – لذلك لم نعاني جوعا وأمراضا بالقدر الذي عاناه الكثير من المعوزين الآخرين من المعتقلين. مات منا جدنا و ماتت عيده زوجة عثمان بو الفقيه.  المرحوم عوض الرداع كان ذبح ناقته الزرقاء المسماه (الرطبه) و باع لحمها بالكيلو عندما كنا لا نزال في طلميثه، ثمنها نفعه في المعتقل. عائلة عبدالواحد الساعدي لم يكن بحوزتهم شيء فعانوا مر المعاناة و قضي معضمهم.

من دخل معتقل البريقة ثلاثة أثلاث، مات الثلثان ودفنوا في الرمل بالمعتقل و الثلث خرجوا من المعتقل أحياء.

مياه الشرب … المياه تجلب محمولة علي الحمير وتستخدم الحمير أيضا لجمع وجلب الحطب للوقود والطهي. هناك آبار في الرمل في الوادي أمام الصقالة، المياه آسنة عفنة تري سطحها في الصباح و قد غطته طبقة شفافة خضراء .وهي مسببة للأمراض.

الأمراض … الناس أصيبوا بالأمراض من الجوع ووجع في الركب. ترى الرجل (حاطي) كالجمل الهزيل يتحرك جالسا أو يزحف ولا يقوى علي الوقوف. أعراض أخرى تظهر في منطقة الفم تبدو في الوجه كأثر حرق النار (وهره). لجأ البعض لنبات الأرض كنبتة العنصل يقولون أنهم استحسنوا طبخها مع الكسكسو.

قبل السماح بإخراج المواشي خارج المعتقل صار الناس يذبحون مواشيهم ليقتاتو منها ولكن ذبح المواشي ممنوع و عقوبته الشنق.

المرحوم بالقاسم بو علي ذبح ناقة خلسة في ظلام الليل و قسم لحمها بميزان علي ضوء شمعة. خبئت أحشاء الناقة و جلدها بالحفر والردم في الرمل داخل الخيمة التي نقيم فيها وبقي سرا مدفونا إلي أن غادرنا المكان بعد أكثر من عام.

هناك ما يدعى مستوصف و ما يدعى حكيم عربي يعطيك ليمونة. الحكيم الافرنجي يأتي في يوم مخصص في الأسبوع، يعلن عن قدومه من قبل البراح وهو عبد الغني بو السايل الجازوي. يمر البراح أمام (الريقة) مناديا. معه أشخاص يضعون خرقة حمراء فيها صليب يلووا لك (فاشة وتنتورا) رباط و نوع من المطهر.

أماكن قضاء الحاجة … ترك مكان فضاء قرب السياج الشائك في آخر الطرف الشرقي للمعتقل مسافة أقل من كيلومتر ليقضي فيه الناس حاجتهم. في العقيلة كان السياج قريبا من الخيام ولم يخصص مكان ليقضي فيه المعتقلين حاجتهم. فكان علي من يريد أن يقضي حاجته أن يحضر عند الباب ويبقي قرب الحراس إلي أن يتجمع خمسة أو ستة أشخاص يصطحبهم فرد من الحراس لمسافة ما خارج المعتقل. النسوة لا يغادرن إلي الخارج فالمنطقة رملية ويردمن فضلاتهن في الرمل.

الوفيات … الموت والوفيات كثيرة وكان الموتي يدفنون بملابسهم اللهم إلا فيما ندر إذا استطاع أهل الميت تدبير الكفن. تصل الجنازة و يسجى الجثمان في انتظار وصول جنازة تالية أخرى ثم أخرى وتطلق صافرة لمتطوعين يحملون الجثامين للمقبرة إذا لم يكن للميت أحد يتولي دفنه.  عندما جئنا لمعتقل البريقة كانت (الرهمة) أي الفترة الأكثر في الوفيات من المعتقلين قد انقضت في العام الأول ثم انخفضت في العام الثاني فلم نشهد الوفيات اليومية الكبيرة مائة جنازة في اليوم الواحد لمدة تناهز العام أو تزيد.

المواشي … المواشي معظمها مجرد هياكل عظام يكسوها الجلد أما الإبل التي سخرت إلي الكفرة فقد هلكت جميعها تقريبا. الطليان ألزموا كل شيخ بتوفير عدد كذا ناقة وهذه أغلبها هلكت في الصحراء إلي الكفرة أو في طريق العودة منها.  في بداية الترحيل كنا لا نزال محتفظين بالضأن والإبل وعند وصولنا إلي منطقة التجميع في ساحل توكره. قام عمي ببيع كل ما نملكه من الضأن حوالي خمسين نعجة نقلها جميعها إلي بنغازي و باعها هناك احتفظنا – بعد طلميثة – بالعنزات و النوق كان يرعاها علي بو المصري .  كل بيت (عائلة) يكلف منهم شخص بمواشيهم ويخرج خارج المعتقل مع المواشي صحبة أسرته يحاول جهده أن ينجيها من الهلاك.

خدمة طريق جالو … سخرت في مجموعة عمال 70 شخص إلي منطقة جالو وأوجلة و بقيت هناك سبعة أشهر ورجعت قبيل الترحيل والضم إلي معتقل البريقه فلم أشهد وفيات كثيرة في معتقل العقيله.

أخذونا من العقيلة 70 رجل لخدمة الطرق في جالو وأوجلة. نقتلع ونجمع نبات الحطايا و نرصفه في المنخفضات لكي تتمكن الآليات الإيطالية من اجتياز الرمال في طريقها إلي الكفرة.  في اليوم رغيف خبز و طاستين سكر نمشوا أربعة أربعة و نرجع أربعة أربعة تحت سيطرة حراس أحباش عليهم مسؤول طلياني.

حالات الهرب … علي علمي لم يهرب أحد من العقيلة. بعض حالات الهروب حصلت في معتقل البريقه. مجموعة العواكلة الذين كانوا هربوا من معتقل التجميع في اردانوا (قرب طلميثه) قبل أن نصل إلي العقيلة، جاءت السلطات بعائلاتهم كلهم إلي العقيلة .  قبل أن يعاد تجميعنا من معتقل العقيله إلي معتقل البريقه، سمعت أن هناك من حاول الهروب من البريقه. اقتفت السلطات أثرهم وقبضوا عليهم و شنقوهم لا أعلم عددهم. الشخص الذي نفذ الشنق يخفي وجهه لكن الناس يعرفونه يقال له الطايل.  بعدها حاول آخرون الهرب وصدرت الأوامر من المسؤول الإيطالي لمتعقبهم من العرب بألا يقبض علي الهاربين بل يلحق بهم بالسياره و يتولي إعدامهم حيث يجدهم.

الأعياد الدينيه … أذكر أنه مر علينا عيد اضحي وكان صهرنا محمد بوالغرباوية صاحب سلطات في معتقل العقيلة زوجته شريفه من عائلة بو عطشانه من أقاربنا جاء ممتطيا فرسا ومعه كيلوات لحم كل كيلو علي حده يمر علي من يعرفهم وسأل أمي إن لم يكن لدينا عيد. أجابته عيدنا بالخير و الصلاة علي النبي فأشاح بالفرس و ذهب مبتعدا و نحن نتحسر ونلوم أمنا علي قولتها تلك حرمتنا من كيلو لحم.

شهر رمضان لم يلقي أي انتباه أو اهتمام بالمره فالناس ليس لديهم شيء يؤكل. يسرقون الخبز من (الطابونه) و يخطفون الكسكاس من علي الحلة. بل صار البعض يتسابقون علي مربض الهجن ليجمعوا ما يستطيعون من بعرها يفتتوه ليحصلوا علي ما فيه من علف الشعير فيجففونه و يقلونه يقتاتون به. آخرون لجأوا للجرذان فراحوا ينتشرون بحثا عنها فيصطادونها ويبيعونها أو يبادلونها بحاجتهم.

المعتقلين الملحقين … بعد وصولنا للمعتقل في العقيلة ألحق بعدنا معتقلي قضاء مرماريكا (البطنان )  من قبائل المنفه والقطعان إضافة إلي العبيدات الشرقيين و نزلوا خارج السياج. ثم سمح لهم بالانتقال إلي نواحي منطقة بشر مع قبيلة المغاربة.  عندما جاءوا كنت مازلت في معتقل العقيلة لكني طلعت إلي جالو ضمن عمال الطريق لمدة سبعة أشهر و عندما عدت كان معتقلي مرماريكا قد سرح لهم بالانتقال إلي نواحي بشر.  تردد عند قدومهم أن حمزه القطعاني عنده ذهب وأن الحكومة تنوي التفتيش وتأخذ ما تجده لديه لتوزعه علي المعتقلين ! فقام بإخفاء ما عنده بعضه أو جله بطريقة ما و يقال أن (الكابو) امويله بو الغرباوية أعانه في ذلك.

كان والد آل بو الغرباوية (عبد الكريم) لا يزال حيا و عندما يجتمعون في الليل كان ينصح أولاده محذرا بأنه لو عادت امرأة من هؤلاء الناس الذين تسوطونهم ستكافيكم بما صار.

المسؤولين علي المعتقلات … في ذلك الوقت المسؤول علي المعتقلين في البريقة والعقيلة يقال له (كاسوني) أما (باريلا) جاءوا به لأنهم قالوا من قتل له المحافظية (المجاهدون) أخ أو اب طلياني يكلف بمسؤوليات علي المعتقلين. طلياني آخر صغير السن اسمه (فريتاللي) قيل أن المحافظيه كانوا قتلوا أخاه. هذا يتخير أيا من المعتقلين كما اتفق ليصفعه علي وجهه .  الطلياني المسؤول في معتقل العقيله شاب برتبة ملازم ثان يقال له افريتاللو و بعد رجوعي من جالو لم يكن موجودا وبلغني أنه نقل إلي معتقل البريقه.  باريلا مارس العسف علي قبائل العبيدات بالتحديد كان له بيت داخل معتقل البريقه به كراسي يرتدي ملابس مدنيه . سمعت أنه سبق أن أسره المحافظيه وأمرهم سيدي عمر أن يبقوا علي حياته، صار المحافظيه يصطحبونه معهم ليحمل قرب الماء ثم أخلو سبيله بعد ذلك.

مجموعة  رؤساء (كابوات) من العرب الليبين كل منهم مسؤول عن شوط أو صف (ريقه) من بيوت وخيام المعتقلين. يرأسهم (كابو قروبو) الذي هو مسؤول عن عدد من الصفوف في ربع من الأرباع التي تشكل المعتقل. أما المسؤول الأعلي من العرب فهو (كابو دي كابو).

إدارة المعتقل … الإيطالي ثم الكابو دي كابو ثم الكابو ثم كابو ريقة (شوط). القبيلة عليها شيخ مربوطة به مشائح قبيلة ارفاد المرحوم الجبالي و المرحوم عبد السلام مسؤوليتهم تغيب أي من أفرد القبيلة يتلقون العقاب عليه. المسؤوليات الأخرى في توزيع فرصة جمع الحطب [أو التسخير بأجر] فرد أو إثنين من كل قبيلة .

المشائخ يرأسهم كابو مسؤول لكل شوط أو صف في يده سوط جلد عادة ما يكون عسكري سابق مع الطليان يضع شارة (اشبور) علي طاقيته. الكابوات منهم محمد بو الكاسح من قبيلة غيث و شخص ملقب بالمقصب من قبيلة شاهين يأخذوا التمام (النوفتا) من الشيخ و يعطيها للكابو اقروبو الأعلي منه. يرأسهم الكابو دي كابو وهذا يحمل شارة علي طاقتيه (اشبورين علامة حرف V مزدوج مقلوب ) شخص يدعى راف الله من قبيلة الحوته. الكابو دي كابو هو الذي يعطي التمام لباريله.

المخالفات و العقوبات … شهدت عملية شنق مرة واحدة رأيت رجلا يتدلي متأرجحا من المشنقة وكان يمنع علي الحاضرين أن ينظروا إلي الجهة الأخرى أو يطرقوا إلي أسفل فهناك شخص يمر خلفك ليضمن أنك تتجه ببصرك إلي مشهد الشنق. أما في البريقه فقد سمعت عنه إلا أني لم أشهده .

عقوبة عدم حضور التمام خمسين سوط، الشيخ لازم يبلغ عنك، الشيخ نفسه لم ينجو من الجلد بالسوط.  من تتغيب عن التمام من النساء، تقيد بالربط إلي عمود وتبقي ساعتين ويتم جلدها في وضع الجلوس.المرحومة (الصاعبة) كانت نافس في البيت بعد أن وضعت مولودا وكان الشيخ قد أعطى التمام كاملا و لم يبلغ عن تخلفها و غيابها. في حين هناك أفراد مكلفين بالتفتيش علي المتخلفين عن الجمع  اكتشفوا تخلفها في البيت مع مولودها، فعوقب الشيخ بالجلد خمسين سوطا.  في البداية، كان الجميع يحضرون التمام (الريقة) النساء يلزمن بالتمام (الترييق) و بعد ذلك اقتصر التمام علي الرجال فالشيخ يتحمل المسؤولية عن تغيب أي من أفراد قبيلته رجالا ونساء.

في البريقه شهدت جلد النساء مرتان وفي العقيله شهدته مرة واحدة تلك كانت امرأة سمراء ضبطت مع حبشي فجاؤا بها إلي طريق الميراد و ربطوها إلي عمود و رفعوا ثوبها إلي ما فوق نطاقها وبقيت هناك واقفة منكسة رأسها يراها كل مار مع الطريق.  الأمر في يد الرايس والعقوبة تنفذ فوري لا محكمة لا غيره. ولا يوجد سجن داخل المعتقل.

سمعت أن شخص قطعاني يقال أنه من آل بو اشوشينه لا أعلم جرمه قيل أنه جلد ألف سوط ! كان هناك شخص أخرص مقرب من الطليان يتولي حمل الضحية علي كتفيه ويمشي بها حتى البحر ليغطسه في الماء المالح.  من رمي بالرصاص من الهاربين تكفل بإعدامهم شخص مقرب من الإيطاليين يقال له الجبيهي لديه سيارة مزودة برشاش عليه حبشي طارد مجموعة من قبيلة غيث وأعدمهم بالرشاش.

مدرسة الأيتام (القزازين) … قرب نهاية مدة الاعتقال  أتيحت فرصة للأطفال الأيتام (القزازين) و أخذوا للمدرسة –داخل المعتقل- من ضمنهم عبدالله الجبالي وبنت لعلي بوالمصري و بنتان أخريان لآل امشاضي.

العون من خارج المعتقل … الأقارب ممن لم يستهدفوا بالاحتجاز في المعتقل غير متحمسين لإعلان صلتهم وقرابتهم بأقاربهم المعتقلين. أما من هم داخل المدن أو أجبروا علي ترك مواطنهم في الأرياف و الانضواء داخل المدن، فهم بين بابين تحكم الداخل والخارج بالقفل والمفتاح.  لم يصلنا مد أو عون من دول مسلمين شغلهم حالنا فلا علم لأحد بما يجري لنا. لم نكن نتصور وجود أي مسلم و لا نصراني غيرنا نحن والطليان ولا نسمع شيئا علي الإطلاق عن الآخرين باستثناء الترك.

حرث غوط بصوص … في فترة متأخرة لاحقة  أعطيت فرصة لعدد من المعتقلين للخروج لحرث منطقة شرق بشر في غوط يسمى (بصوص).كنت فيمن خرجوا للحرث و كان معي عوض الرداع. استجلبت السلطات محاريث خشبية وبذار شعير و حوالي عشرين ناقة مدجنة للحرث لعلها من إبل قبيلة المغاربة. كان المكلفين بالحرث من معتقل العقيلة. قضينا في الحرث مدة 15 يوما تقريبا .  عند الحصاد قد يقوم أي من الحصادين – قبيل انتهاء اليوم – بحك بعض سنابل الشعير وصب الحبوب خلسة في قنينة المياه (فياشكا)، حتى إذا ما بلغ خيمتة أفرغ القنينة مما فيها من حبوب قوتا لأهله. ثم أن أحدا أبلغ السلطات بالأمر فوجد الحصادون تفتيشا عند بوابة المعتقل. يؤمر الجميع بإفراغ قنيناتهم مما فيها فينكشف الأمر و يأتي العقاب.

الترحيل مرة أخرى من معتقل العقيله إلي معتقل البريقه … بعد أسر عمر المحتار ضمت السلطات من بقي من معتقلي العقيلة علي من بقي من معتقلي البريقة. كان معنا (أقاربنا عائلة بو عطشانه) علي النصر وله بنتان وليس له ولد, حمد بو عطشانه ومازق والشايب محمد وولده مرعي، محمد مازق طفل يرتدي طربوش، حمد له ولدان الصالحين و أمه شريعه.  عائلة عبدالواحد الساعدي ابنه صالح امحافظي أولاده في المعتقل الساعدي و محمد وابنته ناجية. أم اشناف ولدها امحافظي. عوض الرداع لأن ابنه جبرين عوض امحافظي. ابوبكر كان تحصل علي وظيفة كابو وفي الأصل جاءوا به للمعتقل لأن أخاه عبدالخالق بو عبد الواحد محافظي.

فرص العمل … بعد أن استنفذ الاعتقال و الحشر و الجوع و المرض فعله [في السنة الاولي] توفرت فرص عمل في شق الطرق عمل فيها الناس بالقرعة (علي القبيلة و علي الفرد) . العمل من طلوع الشمس إلي مغيبها (من زرقتا الـ حجتا) اقتلاع و تكسير الحجارة و البالة و الكرويله . بعض النساء يقمن بإعداد الطعام للشغيله و يتناولن أجرا اربعة سفريته في الشهر.  الأجرة للرجال سبعة فرنكات في اليوم. الفرنك خمس سفاريت و السفريته اربعة مليم صولدي اصغير و صولدي كبير وهناك فرنكين مقرونات عليهن فاس موسوليني. كيلو السكر بفرنكين و كيلو الكاكاوية  بفرنكين.  عملت في (ابريزة شهوان) غرب اجدابيا كان معي حسين بو حمد نقتلع و نكسر الحجارة ثم عملنا علي فاقون ينقل التراب و يسير علي قضيب سكة ومعنا من النساء المرحومة جندية (نفاقه). لكن فرصة العمل في البريزات محددة بفترة معينه لأنها توزع علي القبائل بالفرد ثم بالتناوب عيت ارفاد كذا و عيت منصور كذا

طريق بالبو (ابريزة الألف) … بعد أسر عمر المختار، أخرجت السلطات ألف شخص من المعتقلين ليعملوا في شق طريق (طريق بالبو) معهم 100 امرأة (نفاقه).  بعد ذلك بفترة غير قصيرة، طلبوا المشائخ بينهم الجبالي بو علي وقالوا لهم أن الحكومة تريد إرجاعكم إلي مناطقكم ولكن المناطق المسرحة من مرتوبه شرقا اما المنطقة الجبلية فلا.  الشيخ علي بو محمد لم يخرج من الحبس إلا بعد اعتقال عمر المختار. جاءنا في معتقل البريقة و كان معتلا بادي عليه المرض. وعندما كان أقاربه مجتمعين حوله في البيت نادى البراح في طلب المشائخ (في المعتقل) للحضور في بيت باريلا فذهب ابنه المرحوم الجبالي علي و ذهب معه المرحوم عبدالسلام الساعدي.

أبلغهم باريلا بنية الحكومة إخلاء سبيلهم و إعادتهم إلي ديارهم فعلى كل قبيلة أن تبين موطن سكنها وأن تكتب في طلبه شرط أن تكون خارج منطقة الجبل من مرتوبة شرقا.

مواطني الجبل من قبيلة منصور لم يجدوا جوابا. قبيلة بو جازية سجلوا منطقتهم المرغوبة (مرتوبة) و قبيلة ارفاد سجلوا منطقة (التميمي) معهم قبيلة شاهين و سجل باقي القبائل مناطقهم التي يرغبون العودة إليها.

ConcCampsMap

من اعداد محمد مختار الساعدى

 

جاءتني ورقة من الاستاذ محمد الساعدى بعنوان ” المشعثين المغبرين ” .  الورقة من وحى تلك الأيام الرهيبة التي عاشها شعبنا فى برقة و البطنان خلال سنوات الاحتلال الايطالي من 1929 الى 1934 ، حيث جمعت قبائل البدو الرحل فى معسكرات اعتقال حتى لا تمد يد العون لعمر المختار و رفاقه .  مكان الأحداث التي يكتب عنها الكاتب هو عين الغزالة أو نواحيها ، و هذا المكان يقع – ما بين مدينتي درنة و طبرق –  و قد خصصه غراتزيانى للتجميع المبدئي لقبائل العبيدات قبل ترحيلهم الى معسكر العقوبات فى البريقة و العقيلة .  و لقدوم ذكرى ” يوم الحداد ” الذي سيحل علينا بعد عدة أيام ، استأذنت صديقي لنشر ورقته فى مدونتي و سمح لي مشكورا بذلك وفاءا لهؤلاء المشعثين المغبرين ، منهم من ابعدوا و منهم من قضى نحبه على أعواد المشانق أو فى ساحات القتال ،  يوم أن كان للوطن معنى لعله غير معنى هذا اليوم .

كتب محمد الساعدى :

لاح له عند مد البصر صرح أو بناية قديمة تعتلى ربوة ناتئة بعض النتوء .  تمتد الربوة فى طرف من حيث أتى و تنهد فى الطرف الأخر حيث يتجه .  لعله قصد بموقع الصرح هذا أن يشرف على ما بعده من سهوب فيجعل مسافة كبيرة منها تحت مرمى البصر .  كان ظن الصرح القديم ذلك بعضا من خرائب أو صيرة قديمة أو أثر من إحدى قرى الغابرين ، الى أن بدا عند الاقتراب منه أكثر جسامة و أقرب أطرافا .

تصعد الربوة من جهة منخفض يحاذيها حتى بلغ الصرح فوجده مختلفا عما عهده من خرائب و قرى قديمة غابرة ، فليس ثمة بئر يتوسط المكان و لا أثر لكسر الفخار من أولئك الناس الذين كانوا يوما هنا يتعيشون فعلم أن هؤلاء جاءوا ليسودوا و ليس ليتعيشوا .  يقابله عند واجهة المدخل نقش رسم بكسارة الحجر ، نضدت فى صنعة و مهارة حتى يميز الناظر إليها صورة حيوان بين الكلبة و اللبوة ترضع صغارا ليسوا من جنسها بل صغارا آدميين .

فى الساحة الخارجية يتوسط أثر و فتات من خشب لوتد ضخم أو ما بقى من عمود يغور و ينغرس فى الأرض ، ربما كان يوما سارية علم و بيارق .  حاول أن يتخيل ما كان لون البيرق أو العلم الذي رفعته السارية و كم رفرف عليها و أي ريح لامسته و فردته و كم سمعت السارية صامتة من هتاف و نده و عسكر و نعوت و تحقير و تعظيم .  و يوحى المكان من داخله بما كان عليه من جسامة و علو و ما تزال مواضع فيه على قدر من المتانة فلا شك أن القوم يحسنون صنعة البناء .  جاس فى الأرجاء و وجد الجدران القديمة تزيد فى مواضع عن ارتفاع فارس على جواده .  و فى موضع واسع من المكان نتئت من الجدران بقايا حلقات معدنية لعله اصطبل خيل أو حضيرة هجن .

تذكر ما كان سمعه عن أولئك الخيالة و الهجانة و كيف كان الناس يتقون أذاهم و لا يجدون أنفسهم ندا لهم أو لسيدهم و لا حيلة لهم أن يشكوهم لأحد أو يختصمونهم عند قاض عدل من غير جنسهم .  صار يفكر كيف وطن الناس أنفسهم على مهادنتهم و موالاتهم بل و الانضمام إليهم لينالوا قوتهم أو يأمنوا على عيالهم و كيف ألفوا أن يوالوا و يطيعوا و يذعنوا و يغالوا فى طاعتهم و فى إذعانهم .  ثم كيف أن لم يفعلوا ذلك صب عليهم الغضب و  قاسى العذاب فيحرق زرعهم و يهلك ضرعهم و تضبح فيهم الطقطاقة تنثر حبا تسمع الأذن أزيزه و لا تبصره العين إلا فيما يتخطف من الناس .  يصرع الحب من يصيب فينبثق الدم ممن يصرعه كدم الشاة يسيل على الأرض برهة حتى إذا ما أجتمع مع ساخن التراب أو بارده ذهبت رغوته و زبده و تخثر و دكن لونه و حال من الوقت أسود يجف بعدها و يتقشر و تذروه الرياح مع سف التراب .

حضر له بعض أسماء ممن سمع عن منيتهم فخال نفسه يتعرف على أخر مكان وطئوه و أخر مرأى رأوه و أخر نفس شهقوه .  هناك رمى ( سعد ) بالرصاص و جيء به محمولا على غرارة فما وصلوا به بيته إلا و كانت الغرارة قد ارتوت و صار الدم يرشح منها فدفنوا الغرارة معه .  و لعل فى مكان أخر توجد زيتونة ( صالح ) حيث علق على نصفين .  ذكر أسماء أخرى و أماكن أخرى فلعله غير بعيد أردى ( على ) و أردى رفاقه التسعة و بقيوا حيث أردوا و لا تكاد تجد لأحد منهم قبر أو شاهد .  حضره نوح النائحات و نديب الندابات:

هابا عللى منا غابوا   من غيبتهم ما ننهابو

كلمهم عاكس لشناب   و هم ما هابوا       عالزينة تمو يزابو

هابا يا رقاد الناب  رمايا و ادماهم سكلاب

فى ناحية أخرى من المكان وجد أثرا من جذعين متباعدين كابتعاد قوائم باب أو مدخل ذي اتساع ، لكنها كانت فى ركن لا يصح فيه باب أو مدخل ،  تبين عندها ما بقى من درج لمصطبة أو منصة بين القائمين ، فشعر برهبة هذه البقعة أكثر من غيرها و وجد نفسه يخلع نعليه إذ يستحضر ما تحكى عنه العجائز يذكرن كيف كان الرجال يصعدون المكان مكتوفي الابدى ، و كيف يعلقون من رقابهم و يلفظون أخر أنفاسهم فتتدلى أجسادهم تنتفض برهة ثم تهمد بلا حراك .  تذكر ما كان سمعه عن ( الطيف ) ، قال لعله فى مكان كهذا المكان ينقطع به الحبل فيهزئ من شانقيه و يقول قولته الشهيرة ” غير عليك حكومة حتى احبالها بايدات ” .

حسب ما سمع و لم ير عن ذلك الزمن الذي انقضى أن مثل هذا الصرح عشرات كما أن الآلاف قد قضوا ، و سالت دماءهم أو علقوا و لم تسل منهم دماء .  لم يكن ذلك ليجعله يستوحش من المكان بل ظن أنه ما ساقته خطاه مصادفة الى حيث كان فشاء أن يتيمم و يبيت بين المنصة و القوائم و يقضى الليلة فى هذا المكان .

فى نومه خيل إليه أنه يسمع وقع الأقدام و النعال الغليظة و الرطانة و الصياح و الزجر و النهى و الأوامر و التوبيخ و نابي الشتم و التصغير و القهقهات .  و خاله يرى لمعان الأحذية الطويلة و ألوان و بريق النياشين و يعجب لاختلاف هيئة لابسيها و ملاحة بشرتهم و سود قمصانهم و النظرة التي فى عيونهم و كثير طعامهم و قناني خمرهم و نهمهم و إقبالهم عليه و ولعهم به .  ثم يعجب كيف لائ من المشعثين المغبرين الجائعين أن يهزأ من كل هذا و هو يساق للموت و يحز الحبل عنقه فينتفض كما الذبيحة و كيف تبقى الكلمات طويلا بعد أن يكون البدن قد همد أو لم يعد ثمة بدن .

عندما أفاق فى الصباح خرج الى حيث يوجد نقش اللبوة و صغارها فأعمل فيه تهشيما و تحطيما حتى أتى عليه .

 

إضافة و تصحيح … بتاريخ 22/10/2009

بعد نشر النص اكتشفت بعض النواقص التي كان من الواجب إدراجها بالتدوينة وفاء لذكرى  هؤلاء ” المشعثين المغبرين ” و جهادهم النبيل ، لذا فاننى ألحقها فى هذه الإضافة :

 1 – ما ورد فى المقدمة من أن موقع عين الغزالة خصص لتجميع قبائل العبيدات  كان  صحيحا ، و لكن من الصحيح أيضا أنه كان لتجميع قبائل المنفة و القطعان و بعض أولاد حمد الطلوح ، و هم من كانوا يقطنون الإقليم المسمى مرمريكا ( شرق درنة الى الحدود المصرية ) .

2 – وردنتى الأسماء التالية من الاستاذ محمد مختار الساعدى من بين من أعدموا بمعتقل عين الغزالة : سعد الجبالى الرفادى ، محمود بلقاسم الطلحى و مازق بالقاسم الطلحى ، سليمان الشاعت القرباعى ، صالح الوادى الطلحى ، عبد الله محمد الحمرى ، عبد الله الواحدى ، محمود سعد محمود القطعانى ، بوبكر البايد القطعانى ، عبد القادر المسماري ، بو قعيدة الفاخرى ، صالح حمد لربد ، و ذلك إضافة الى الطيف بو امصورة الغيثى مع أقاربه حمد الطيف و الهونى الطيف و عبد ربه محمد و السنوسي محمد ، فرحمة الله عليهم جميعا.

” عادة ما تبدأ الأشياء الجميلة والرائعة بفكرة بسيطة ، وحلم يبدو أنه صعب التحقق في بادي الأمر ، ولكن سرعان ما تتحول هذه الأحلام والأفكار إذا ما وُجِدَ من يحيلها إلى حقائق على الأرض ، إلى هاجس يومي وفيض من العطاء والبهجة والتفاعل الحميم .فمن منا لا يهفو إلى إغفاءة أو جلسة تأمل في ظل نخلة وارفة , هناك في قلب السكون الكوني الشامل ، ومن منا لا يتمنى أن يستعيد مغامرات الشباب المبكر ، ومن هذا الذي لا يتمنى التعرف على الواحات اليانعة النظرة المنبثة بين أحضان الصحراء التي تحيط بها الكثبان الرملية الساحرة والجبال الشامخة حيث الرمال من ذهب والماء سر الحياة . هذا هو مهرجان الخريف ، كان حلم يراود الحالمين والعاشقين من الفنانين والأدباء وعشاق الأرض من أبناء وفتيات ورجال ونساء وشيوخ وعجائز مدينة هون ، حتى تحول إلى كرنفال بهيج يقام خريف كل عام . “

 

هكذا يقدم مهرجان خريف هون على صفحة موقع “ مهرجان هون السياحي الدولي “، و يشمل مهرجان التألق و الإبداع السنوي لمدينة هون المناشط التالية :

* عروض الفرق الصوفية .

* عروض لأغاني الأطفال .

* عروض للرقصات الشعبية والأهازيج التي تقام في المواسم .

* عروض لفرق الفنون الشعبية المشاركة .

* عروض للأزياء التقليدية .

بالإضافة إلى معارض تبرز :

* التمور ومنتجات النخلة .

* الحرف والصناعات التقليدية .

* المقتنيات الشعبية .

* الحلي والملابس الشعبية .

* المأكولات الشعبية .

* الأعشاب الطبية .

* الفنون التشكيلية .

* الخط العربي والنحت .

* الصور الشمسية .

* معرض الكتاب .

بينما تقوم المدينة القديمة بأقواسها المتساندة بإدخالك إلى ذاكرة الماضي ، و تشاهد  تجسيد الحياة التقليدية اليومية و عروض لألعاب الأطفال و لوحات العرس الشعبي ، و في المساء تشاهد عروض قوافل النقل الصحراوي و غيرها .

 

هي تجربة لا تنسى ، و حدث شعبي مميز وسط طبيعة صحراوية خلابة .

الصورة منقولة من موقع ” مهرجان هون السياحي الدولي “

houn girl

هل اللغة العربية ليست قادرة على مواكبة احتياجات عصر التقنية و المعلومات و الحاسوب الالكتروني؟ هل اللغة العربية غير قادرة على التطور و ملاحقة العصر الذي نعيشه و لا نتقدم معه بنفس درجة التسارع؟  هل اللغة العربية لغة آداب خلقت للشعر و ارث المعلقات فقط ، و لا تتناسب مع متطلبات العلوم الحديثة و التكنولوجيا؟ هل اللغة العربية لغة دينية فقط لا تستطيع أن تنافس في مجالات الحياة المختلفة خارج التعبير عن متطلبات الحاجة الروحية ما بين الإنسان و خالقه؟ هل اللغة العربية لغة عاجزة لا تستطيع أن تكون لغة تعبيرية لحرية الإنسان المطلقة و حاجاته الاجتماعية؟ هل اللغة فقط هي التي تجعل الناس أحرارا؟ هل اللغة العربية غير ملائمة للتعبير عن لغة المصفوفات الالكترونية و لغة البرمجة، و مواكبة الانبهارات العلمية التي تحدث يوميا في ثورة الاتصالات؟ من ناحية أخرى هل ، نحن العرب ، عاجزين عن اختراع شي جديد أو تطوير شي موجود بسبب قصور لغتنا العربية؟

ترك الأتراك استعمال الحروف العربية بعد ثورة مصطفى كمال اللادينية و تركهم الخلافة الإسلامية ، و استعملوا الحروف اللاتينية للغتهم الطورانية ، فهل ساهم هذا في تقدم تركيا و اندماجها في أوروبا الصناعية و المتفوقة تكنولوجيا؟ و من ناحية أخرى مازال الإيرانيون و الباكستانيون يستعملون الحروف العربية في لغتيهما الفارسية و الأردية ، و لم يعرقل هذا تقدمهما الصناعي و العلمي ، فالباكستان دولة نووية ، و إيران مقبلة على أن تكون دولة نووية ما لم ينجح أوباما و ناتنياهو في إرجاعها للعصر الحجري! هل اللغة العربية أكثر عجزا عن متابعة التقدم العلمي و الصناعي من اللغتين اليابانية و الصينية ؟ هل العيب فينا أم في اللغة التي هي أساسا مجرد أداة للتعبير فقط؟

يتوارث الناس اللغة فيما ما يتوارثون من ثقافة و عادات و تقاليد بطريقة آلية. و يضيفون إليها على قدر حيويتهم و تقدمهم الاجتماعي و الاخلاقى و الصناعي ، وفى بقية مجالات الحياة . و من هنا تبدو اللغة كأنها كائن متغير و في نمو مستمر ، تنبع قوته من حيوية متكلميها و قبولهم لمتغيرات المحيط و تكيفهم معه أو العكس ، إذن أين القصور و الخلل ؟  هل القصور فينا ألبسناه على اللغة ، أم لغتنا هي المانع لتقدمنا ، ان غيرناها تغير حالنا من حال لحال؟  أسئلة كثيرة تتابع ، و أصدقكم القول فان الجواب صعب و متشعب و طويل !

قرب تقرير غولدستون أن يصوت عليه و يحال لمجلس الأمن حيث ستضطر الولايات المتحدة كالعادة لاستعمال حق الفيتو حتى لا تدان إسرائيل ، و لكن سفير فلسطين الدائم فى الأمم المتحدة يطالب بتأجيل التصويت و عرض التقرير فى الدورة القادمة لمجلس الأمن ، و تتنهد إسرائيل الصعداء ، و بعدها حتى تكتمل فصول الكوميديا الفلسطينية يقوم السيد رئيس السلطة الفلسطينية بتشكيل لجنة للتحقيق فى ظروف تأجيل التصويت على تقرير غولدستون ! و لم يبق لنا إلا نشيد موطني الجديد !

 

 

مع الشكر لمصطفى أحمد

تصنيفات

الارشيف

إحصائيات المدونة

  • 61,486 hits