قصة قصيرة للكاتب الاردنى فخري قعوار

(1)

حتى هذه اللحظة لا أدرى لماذا حدث لي كل ذلك ، و لم اعثر على تعليل مقنع و حاسم يبرر ما قام به الرجل ذو النظارة السوداء من أعمال غير مألوفة ، كما لا أعرف حتى الآن ، كيف احتملت كل إساءاته و أذاه بهدوء و صبر .

(2)

- أأنت الاستاذ “خ”؟

- نعم .

- و تعمل فى المدرسة المجاورة لهذا المقهى ؟

- نعم .  و لكن لم نتشرف بالمعرفة .

- أغلق فمك و أنهض .

- و لكنني أريد أن أعرف الجهة التي  سنقصدها .

- ليس هذا من اختصاصك .

- و هل الذي سينهض شخص غيري ؟

- لا تكثر من فلسفتك الفارغة .

- و لكنني لا استطيع التغيب عن عملي .

- أنا اسمح لك .

- و هل ستخبر المدير بذلك ؟

- سأبلغه بالتلفون .

- ليس فى المدرسة تلفون .

- حقا انك كلب و ثرثار .  انهض و …

- أ ….

(3)

أمسك بيدي ، و وضعها بين أسنانه ، و ضغط عليها بقسوة ، و يده الأخرى تفرك أذني .  ثم كف عن ذلك و أمرني بحمل الصحيفة التي كنت أقرأ فيها و التزم الصمت ، حتى لا نثير انتباه الآخرين الجالسين فى المقهى .

(4)

- ألا نستطيع أن نشرب فنجان قهوة معا ؟

- لا تحاول أن تبدو طيبا .  انهض .

(5)

فكرت بالهرب ، و لكنى وجدت أنه سيجر على مزيدا من الأذى ، و فكرت فى أهميتي التي تجعل هذا الرجل الغامض يقتادني بهذه الطريقة ، فلم أجد ما يستحق اهتمامه ، مجرد معلم غير حائز على الثانوية العامة ، و يدفع عشرة دنانير شهريا لتسديد سلفة بنكية ، و لم يعرف امرأة واحدة فى حياته ، سوى أنه فاز بقبلة من ابنة الجيران الذين انتقلوا الى بيت أخر ، و يواظب على قراءة صحيفة يومية واحدة ، و يدخن صنفا رخيصا من السجائر ، و يجيد الشطرنج الذي يلعبه فى أوقات متباعدة .

و كدت أصرخ فى هذا الرجل الكابوس الذي يسير الى جانبي ، لكن الصوت مات فى حلقي .

و ادخلنى الى شوارع و دهاليز و أزقة و طوابق لا تنتهي ، ثم توقفنا فى غرفة مليئة بالجماجم و الهياكل العظمية و الصور العارية ، و فيها لوحة كبيرة لرجل جليل ذي لحية مفروقة الى شطرين ، و يدخن غليونا ، و يعلق على كتفه بندقية من طراز قديم ، و كل جدار من جدران الغرفة مطلى على شكل رقعة شطرنج كبيرة .

(6)

- أتحب أن تشرب قهوة الآن ؟

- أشكرك .

- أتعرف لماذا جئت بك الى هنا ؟

- لا أعرف .

- كي أسألك بضعة أسئلة فقط .

- أهذا كل شئ .

- نعم هذا كل شئ .

- و لكنك كنت تقدر أن تطرح على هذه الأسئلة فى المقهى .

- كان بامكانى أن أطرح عليك هذه الأسئلة فى المقهى ، هذا صحيح ، و لكنني لن أحصل على الإجابة التي أريدها فى غير هذا المكان .

- ربما .

- لا ، بالتأكيد ، قل لي منذ متى بدأت بمارسة لعبة الشطرنج ؟

- لا أذكر .

- مهنتي أن أجعلك تتذكر .

- منذ أكثر من سبع سنوات .

- و منذ متى بدأت بتدريب زملائك على هذه اللعبة ؟

- لم أدرب أحدا .

- مهنتي أن أجعلك تعترف بتدريبهم .

- ألاعبهم أحيانا .

- أليست ملاعبتهم تدريبا ؟

- نعم هي تدريب .

- و لكنك ستتوقف عن ممارسة هذه اللعبة اعتبارا من اليوم .

- لا .  من قال ذلك ؟

- أنا الذي قال ذلك .

- سأحاول .

- بل ستتوقف نهائيا .

- سأتوقف نهائيا .

- أتحب أن تشرب فنجان قهوة الآن ؟

- أشكرك .

(7)

و حينما خرجت ، كنت أكثر حماسة لممارسة اللعبة ، و لكن بعيدا عن مراقبة الرجل ذي النظارة السوداء .

 

***** الكاتب الاردنى فخري قعوار كان أمينا عاما للاتحاد العم للأدباء و الكتاب العرب من عام 1992 و حتى 1997 ، و قد صدرت هذه القصة ضمن منشورات كتاب فى جريدة  إصدار شهر فبراير 2010 .

 ولدت مدونة ليبية جديدة لصاحبها محمد مختار الساعدى مع أول تدوينة له بعنوان ” من الفيزياء الى العواطف و بالعكس ” .  تتناول التدوينة موضوعا طريفا و ذكيا حاول فيه محمد تفسير التوتر و الإجهاد النفسي بقوانين فيزيائية …

المدونة تحت هذا الرابط :

صدى الأفكار

فمرحبا بالأخ محمد مختار الساعدى فى عالم النت …

غابة الرجمة المسماة نسبة لقرية الرجمة ( و المسماة بدورها نسبة لبئر كان يسمى الرجيمة ) ، و التي تبعد حوالي 25 كلم شرق مدينة بنغازي ، هي منطقة تلال و مرتفعات ، ترتفع حوالي 300 متر عن سطح البحر . تبدأ هذه المرتفعات من وراء مطار بنينا و تستمر فى الارتفاع شرقا و شمالا نحو سفوح الجبل الأخضر فيما وراء مدينة المرج .   منطقة الرجمة شهدت حملات تشجير شعبية واسعة ابتداء من الستينات و السبعينات و حتى الثمانينات ، و هي إحدى منتجعات سكان مدينة بنغازي للزرادى و الفسحة و التريض .  المؤسف فى الأمر أن أشجار هذه الغابة شهدت مرضا غريبا يصيب الأشجار لاحظته شخصيا منذ فترة التسعينات ، تصبح الشجرة فيه تنز سائلا كالدم لونا على سواد من جذعها حتى تفقد عصارتها الحيوية ثم يصيبها الجفاف و بعده تسقط وتصبح هدفا للحطابين .

يوم أمس و فى جولة سريعة فى أطراف غابة الرجمة رايت منظرا حزينا لأشجار عدة و قد ماتت و تبدو آيلة للسقوط ، فهل سنقول يوما أين ذهبت كل هذه الأشجار ؟

162_6219

162_6221

162_6226

DSC01158

DSC01160

DSC01164

DSC01167

DSC01170

DSC01171

صورة الحاج عبد النبي

سبق و أن نشرت في تدوينه سابقة بعنوان ” كلمات شاهد عيان من زمن أخر ” ما رواه الحاج عبد النبي عبد الشافي الرفادى ” فى مقابلة مع الأستاذ محمد مختار الساعدى  عن ذكرياته فى معسكرات الاعتقال الفاشية و هو في سن الثالثة عشرة من عمره .  أجريت المقابلة يوم الأربعاء الموافق 23/01/2008 ، مع الاسترشاد بالاستبيان المعد من قبل مركز الجهاد الليبي .

و لكن ما نشر فى تلك التدوينة لم يكن كل ما رواه الحاج عبد النبي ، فقد حكي أيضا عن ظروف الحياة العامة فى تلك المعسكرات و ما قاساه الناس من ويلات فيها .  الآن  و بمناسبة يوم ذكرى المنفيين الذى يوافق يوم غذ ، أتابع نشر بقية الذكريات التي حكاها هذا الشاهد  تأكيدا على أن التاريخ لا ينسى ، و على أن الحق لا يسقط بالتقادم .  الكلمات التي تحكى عن تلك الفترة السوداء هي لأحداث حقيقية من فم شاهد عيان حدثت منذ ثمانين سنة فقط .

قال الحاج عبد النبي :

التمهيد قبل الضم للمعتقلات … قبل قرار ترحيل النجوع و ضمها فى معتقلات ، جمعت السلطة الإيطالية المشائخ والعمد وخيرتهم إما أن تحاربو المحافظية و تزودكم الحكومة بالسلاح أو أن ترفضوا فترحلون إلي المعتقلات.  المشائخ طلبوا مهلة للتدارس و الرد علي السلطات الإيطالية بقرارهم. اجتمعوا يتدارسون الأمر يقال أن بينهم رجل من المرج قال أن هذه مسؤولية لا نقدر عليها فوافقوه كلهم وبعد انقضاء المهلة أجاب المشائخ بأنهم لا قدرة لهم علي محاربة المحافظية. كان بعض المشائخ قد حبسوا في بنينه ثم نفي بعضهم إلي إيطاليا بعد ذلك.  الدور (الجبهة) الأكثر إقلاقا للسلطات الإيطالية هو دور عمر المختار في وادي الجريب (وادي الكوف) يصعدون منه جنوبا حتى منطقة خولان جنوب درنه يهبطون شمالا حتى الحنية علي الساحل غرب البيضا.

معتقل العقيله … المعتقل يسمى (كونفيناتو) المسؤول الإيطالي الأكبر هو غراتسياني. المكان منطقة رملية منبسطة نوعا يحدها من الأمام ( حهة الشرق) تبة ذات امتداد وفي الجهة الغربية يتكدس مرتفع من طوق رملي. في جانب من المعسكر جعل ما يدعي مستوصف من بويتات المعتقلين كانت يلا أعمدة تقريبا ردمت الرمال أجزاء منها.  تري (الكابو) واقفا و البويتات مصفوفة متلاصقة (الجازل في الجازل) في اشواط علي امتداد الصف (الريقه). كل قبيلة ترصف بيوتاتها في صف أو أكثر، آل ارفاد، يليهم آل منصور ثم آل غيث ، أما تقسيم المعتقل إلي ارباع كان معمولا به في معتقل البريقة وليس في معتقل العقيلة .

الحراسة و التسجيل و التمام … في العقيلة الحراس يراقبون السياج ليل نهار. يجمع المعتقلين من الرجال كل صباح يتمم عليهم شيخهم ويعطي التمام لمسؤول التجمع (الكابو اقروبو). هذا يرتدي شنه حمراء مميزة بشارة فضيه كعلامة (اشبور حادر على شكل حرف V ) . يتم التجميع للتمام (الريقه) صباحا و مساءا ثم اقتصر علي الجمع الصباحي.  يجمع الناس في الريقة متراصفين أربعة أربعة أحيانا من العصر حتى صلاة المغرب في انتظار الكابو ليأخذ (النوفتا) التمام. يظهر مهيبا (يلهد) علي جواده ويقبل الجواد مسرعا هابطا مع طريق تنحدر إلي أن يتوقف عند جمع المنتظرين فيتقدمون نحوه و يعطونه التمام كل عن صفه أو قبيلته.

الحصة الغذائية (الرسيوني) … الحصة الغذائية بمعدل نصف وقه شعير للنفر كل سبعة أيام. مكان استلام (الرسيوني) الاسبوعي عند جهة البحر. الكثير من الناس الذين لا يقوون علي الوقوف يزحفون للاقتراب من كومة الشعير، يحاول بعضهم أن يقنص قبصة منه في مخلبه، يلقمه إلي فمه علي عجل قبل أن يهم عليه الكابو بسوطه.  الكيال المرحوم محمد بو وهاب يتعمد أن يزيد المكيال بما قد تحوزه أصابع يده فيمتن الناس للحبات الإضافية. الحصة الغذائية (الرسيوني) ثابتة لا تتغير في رمضان و لا في غيره.  يقسم الشعير لأوجه مبادلة مقابل زيت و سكر وقوالب مكعبات صغيرة من شحم وهذه تجدها في الدكاكين القليلة (أربعة دكاكين) التي كانت بالمعتقل كانت لنصارى و يهود ليبين .  من له كسوة لباس أو هدمة يكتسي بها والقاصر له العراء.

الكثيرون لا تكفهم حصتهم الغذائية شيئا. عائلتنا – آل عبد الشافي – انتفعنا بثمن النعاج التي بعناها عندما كنا لم نزل في اردانوا شرق توكرة قبيل الترحيل إلي معتقل العقيله  – لذلك لم نعاني جوعا وأمراضا بالقدر الذي عاناه الكثير من المعوزين الآخرين من المعتقلين. مات منا جدنا و ماتت عيده زوجة عثمان بو الفقيه.  المرحوم عوض الرداع كان ذبح ناقته الزرقاء المسماه (الرطبه) و باع لحمها بالكيلو عندما كنا لا نزال في طلميثه، ثمنها نفعه في المعتقل. عائلة عبدالواحد الساعدي لم يكن بحوزتهم شيء فعانوا مر المعاناة و قضي معضمهم.

من دخل معتقل البريقة ثلاثة أثلاث، مات الثلثان ودفنوا في الرمل بالمعتقل و الثلث خرجوا من المعتقل أحياء.

مياه الشرب … المياه تجلب محمولة علي الحمير وتستخدم الحمير أيضا لجمع وجلب الحطب للوقود والطهي. هناك آبار في الرمل في الوادي أمام الصقالة، المياه آسنة عفنة تري سطحها في الصباح و قد غطته طبقة شفافة خضراء .وهي مسببة للأمراض.

الأمراض … الناس أصيبوا بالأمراض من الجوع ووجع في الركب. ترى الرجل (حاطي) كالجمل الهزيل يتحرك جالسا أو يزحف ولا يقوى علي الوقوف. أعراض أخرى تظهر في منطقة الفم تبدو في الوجه كأثر حرق النار (وهره). لجأ البعض لنبات الأرض كنبتة العنصل يقولون أنهم استحسنوا طبخها مع الكسكسو.

قبل السماح بإخراج المواشي خارج المعتقل صار الناس يذبحون مواشيهم ليقتاتو منها ولكن ذبح المواشي ممنوع و عقوبته الشنق.

المرحوم بالقاسم بو علي ذبح ناقة خلسة في ظلام الليل و قسم لحمها بميزان علي ضوء شمعة. خبئت أحشاء الناقة و جلدها بالحفر والردم في الرمل داخل الخيمة التي نقيم فيها وبقي سرا مدفونا إلي أن غادرنا المكان بعد أكثر من عام.

هناك ما يدعى مستوصف و ما يدعى حكيم عربي يعطيك ليمونة. الحكيم الافرنجي يأتي في يوم مخصص في الأسبوع، يعلن عن قدومه من قبل البراح وهو عبد الغني بو السايل الجازوي. يمر البراح أمام (الريقة) مناديا. معه أشخاص يضعون خرقة حمراء فيها صليب يلووا لك (فاشة وتنتورا) رباط و نوع من المطهر.

أماكن قضاء الحاجة … ترك مكان فضاء قرب السياج الشائك في آخر الطرف الشرقي للمعتقل مسافة أقل من كيلومتر ليقضي فيه الناس حاجتهم. في العقيلة كان السياج قريبا من الخيام ولم يخصص مكان ليقضي فيه المعتقلين حاجتهم. فكان علي من يريد أن يقضي حاجته أن يحضر عند الباب ويبقي قرب الحراس إلي أن يتجمع خمسة أو ستة أشخاص يصطحبهم فرد من الحراس لمسافة ما خارج المعتقل. النسوة لا يغادرن إلي الخارج فالمنطقة رملية ويردمن فضلاتهن في الرمل.

الوفيات … الموت والوفيات كثيرة وكان الموتي يدفنون بملابسهم اللهم إلا فيما ندر إذا استطاع أهل الميت تدبير الكفن. تصل الجنازة و يسجى الجثمان في انتظار وصول جنازة تالية أخرى ثم أخرى وتطلق صافرة لمتطوعين يحملون الجثامين للمقبرة إذا لم يكن للميت أحد يتولي دفنه.  عندما جئنا لمعتقل البريقة كانت (الرهمة) أي الفترة الأكثر في الوفيات من المعتقلين قد انقضت في العام الأول ثم انخفضت في العام الثاني فلم نشهد الوفيات اليومية الكبيرة مائة جنازة في اليوم الواحد لمدة تناهز العام أو تزيد.

المواشي … المواشي معظمها مجرد هياكل عظام يكسوها الجلد أما الإبل التي سخرت إلي الكفرة فقد هلكت جميعها تقريبا. الطليان ألزموا كل شيخ بتوفير عدد كذا ناقة وهذه أغلبها هلكت في الصحراء إلي الكفرة أو في طريق العودة منها.  في بداية الترحيل كنا لا نزال محتفظين بالضأن والإبل وعند وصولنا إلي منطقة التجميع في ساحل توكره. قام عمي ببيع كل ما نملكه من الضأن حوالي خمسين نعجة نقلها جميعها إلي بنغازي و باعها هناك احتفظنا – بعد طلميثة – بالعنزات و النوق كان يرعاها علي بو المصري .  كل بيت (عائلة) يكلف منهم شخص بمواشيهم ويخرج خارج المعتقل مع المواشي صحبة أسرته يحاول جهده أن ينجيها من الهلاك.

خدمة طريق جالو … سخرت في مجموعة عمال 70 شخص إلي منطقة جالو وأوجلة و بقيت هناك سبعة أشهر ورجعت قبيل الترحيل والضم إلي معتقل البريقه فلم أشهد وفيات كثيرة في معتقل العقيله.

أخذونا من العقيلة 70 رجل لخدمة الطرق في جالو وأوجلة. نقتلع ونجمع نبات الحطايا و نرصفه في المنخفضات لكي تتمكن الآليات الإيطالية من اجتياز الرمال في طريقها إلي الكفرة.  في اليوم رغيف خبز و طاستين سكر نمشوا أربعة أربعة و نرجع أربعة أربعة تحت سيطرة حراس أحباش عليهم مسؤول طلياني.

حالات الهرب … علي علمي لم يهرب أحد من العقيلة. بعض حالات الهروب حصلت في معتقل البريقه. مجموعة العواكلة الذين كانوا هربوا من معتقل التجميع في اردانوا (قرب طلميثه) قبل أن نصل إلي العقيلة، جاءت السلطات بعائلاتهم كلهم إلي العقيلة .  قبل أن يعاد تجميعنا من معتقل العقيله إلي معتقل البريقه، سمعت أن هناك من حاول الهروب من البريقه. اقتفت السلطات أثرهم وقبضوا عليهم و شنقوهم لا أعلم عددهم. الشخص الذي نفذ الشنق يخفي وجهه لكن الناس يعرفونه يقال له الطايل.  بعدها حاول آخرون الهرب وصدرت الأوامر من المسؤول الإيطالي لمتعقبهم من العرب بألا يقبض علي الهاربين بل يلحق بهم بالسياره و يتولي إعدامهم حيث يجدهم.

الأعياد الدينيه … أذكر أنه مر علينا عيد اضحي وكان صهرنا محمد بوالغرباوية صاحب سلطات في معتقل العقيلة زوجته شريفه من عائلة بو عطشانه من أقاربنا جاء ممتطيا فرسا ومعه كيلوات لحم كل كيلو علي حده يمر علي من يعرفهم وسأل أمي إن لم يكن لدينا عيد. أجابته عيدنا بالخير و الصلاة علي النبي فأشاح بالفرس و ذهب مبتعدا و نحن نتحسر ونلوم أمنا علي قولتها تلك حرمتنا من كيلو لحم.

شهر رمضان لم يلقي أي انتباه أو اهتمام بالمره فالناس ليس لديهم شيء يؤكل. يسرقون الخبز من (الطابونه) و يخطفون الكسكاس من علي الحلة. بل صار البعض يتسابقون علي مربض الهجن ليجمعوا ما يستطيعون من بعرها يفتتوه ليحصلوا علي ما فيه من علف الشعير فيجففونه و يقلونه يقتاتون به. آخرون لجأوا للجرذان فراحوا ينتشرون بحثا عنها فيصطادونها ويبيعونها أو يبادلونها بحاجتهم.

المعتقلين الملحقين … بعد وصولنا للمعتقل في العقيلة ألحق بعدنا معتقلي قضاء مرماريكا (البطنان )  من قبائل المنفه والقطعان إضافة إلي العبيدات الشرقيين و نزلوا خارج السياج. ثم سمح لهم بالانتقال إلي نواحي منطقة بشر مع قبيلة المغاربة.  عندما جاءوا كنت مازلت في معتقل العقيلة لكني طلعت إلي جالو ضمن عمال الطريق لمدة سبعة أشهر و عندما عدت كان معتقلي مرماريكا قد سرح لهم بالانتقال إلي نواحي بشر.  تردد عند قدومهم أن حمزه القطعاني عنده ذهب وأن الحكومة تنوي التفتيش وتأخذ ما تجده لديه لتوزعه علي المعتقلين ! فقام بإخفاء ما عنده بعضه أو جله بطريقة ما و يقال أن (الكابو) امويله بو الغرباوية أعانه في ذلك.

كان والد آل بو الغرباوية (عبد الكريم) لا يزال حيا و عندما يجتمعون في الليل كان ينصح أولاده محذرا بأنه لو عادت امرأة من هؤلاء الناس الذين تسوطونهم ستكافيكم بما صار.

المسؤولين علي المعتقلات … في ذلك الوقت المسؤول علي المعتقلين في البريقة والعقيلة يقال له (كاسوني) أما (باريلا) جاءوا به لأنهم قالوا من قتل له المحافظية (المجاهدون) أخ أو اب طلياني يكلف بمسؤوليات علي المعتقلين. طلياني آخر صغير السن اسمه (فريتاللي) قيل أن المحافظيه كانوا قتلوا أخاه. هذا يتخير أيا من المعتقلين كما اتفق ليصفعه علي وجهه .  الطلياني المسؤول في معتقل العقيله شاب برتبة ملازم ثان يقال له افريتاللو و بعد رجوعي من جالو لم يكن موجودا وبلغني أنه نقل إلي معتقل البريقه.  باريلا مارس العسف علي قبائل العبيدات بالتحديد كان له بيت داخل معتقل البريقه به كراسي يرتدي ملابس مدنيه . سمعت أنه سبق أن أسره المحافظيه وأمرهم سيدي عمر أن يبقوا علي حياته، صار المحافظيه يصطحبونه معهم ليحمل قرب الماء ثم أخلو سبيله بعد ذلك.

مجموعة  رؤساء (كابوات) من العرب الليبين كل منهم مسؤول عن شوط أو صف (ريقه) من بيوت وخيام المعتقلين. يرأسهم (كابو قروبو) الذي هو مسؤول عن عدد من الصفوف في ربع من الأرباع التي تشكل المعتقل. أما المسؤول الأعلي من العرب فهو (كابو دي كابو).

إدارة المعتقل … الإيطالي ثم الكابو دي كابو ثم الكابو ثم كابو ريقة (شوط). القبيلة عليها شيخ مربوطة به مشائح قبيلة ارفاد المرحوم الجبالي و المرحوم عبد السلام مسؤوليتهم تغيب أي من أفرد القبيلة يتلقون العقاب عليه. المسؤوليات الأخرى في توزيع فرصة جمع الحطب [أو التسخير بأجر] فرد أو إثنين من كل قبيلة .

المشائخ يرأسهم كابو مسؤول لكل شوط أو صف في يده سوط جلد عادة ما يكون عسكري سابق مع الطليان يضع شارة (اشبور) علي طاقيته. الكابوات منهم محمد بو الكاسح من قبيلة غيث و شخص ملقب بالمقصب من قبيلة شاهين يأخذوا التمام (النوفتا) من الشيخ و يعطيها للكابو اقروبو الأعلي منه. يرأسهم الكابو دي كابو وهذا يحمل شارة علي طاقتيه (اشبورين علامة حرف V مزدوج مقلوب ) شخص يدعى راف الله من قبيلة الحوته. الكابو دي كابو هو الذي يعطي التمام لباريله.

المخالفات و العقوبات … شهدت عملية شنق مرة واحدة رأيت رجلا يتدلي متأرجحا من المشنقة وكان يمنع علي الحاضرين أن ينظروا إلي الجهة الأخرى أو يطرقوا إلي أسفل فهناك شخص يمر خلفك ليضمن أنك تتجه ببصرك إلي مشهد الشنق. أما في البريقه فقد سمعت عنه إلا أني لم أشهده .

عقوبة عدم حضور التمام خمسين سوط، الشيخ لازم يبلغ عنك، الشيخ نفسه لم ينجو من الجلد بالسوط.  من تتغيب عن التمام من النساء، تقيد بالربط إلي عمود وتبقي ساعتين ويتم جلدها في وضع الجلوس.المرحومة (الصاعبة) كانت نافس في البيت بعد أن وضعت مولودا وكان الشيخ قد أعطى التمام كاملا و لم يبلغ عن تخلفها و غيابها. في حين هناك أفراد مكلفين بالتفتيش علي المتخلفين عن الجمع  اكتشفوا تخلفها في البيت مع مولودها، فعوقب الشيخ بالجلد خمسين سوطا.  في البداية، كان الجميع يحضرون التمام (الريقة) النساء يلزمن بالتمام (الترييق) و بعد ذلك اقتصر التمام علي الرجال فالشيخ يتحمل المسؤولية عن تغيب أي من أفراد قبيلته رجالا ونساء.

في البريقه شهدت جلد النساء مرتان وفي العقيله شهدته مرة واحدة تلك كانت امرأة سمراء ضبطت مع حبشي فجاؤا بها إلي طريق الميراد و ربطوها إلي عمود و رفعوا ثوبها إلي ما فوق نطاقها وبقيت هناك واقفة منكسة رأسها يراها كل مار مع الطريق.  الأمر في يد الرايس والعقوبة تنفذ فوري لا محكمة لا غيره. ولا يوجد سجن داخل المعتقل.

سمعت أن شخص قطعاني يقال أنه من آل بو اشوشينه لا أعلم جرمه قيل أنه جلد ألف سوط ! كان هناك شخص أخرص مقرب من الطليان يتولي حمل الضحية علي كتفيه ويمشي بها حتى البحر ليغطسه في الماء المالح.  من رمي بالرصاص من الهاربين تكفل بإعدامهم شخص مقرب من الإيطاليين يقال له الجبيهي لديه سيارة مزودة برشاش عليه حبشي طارد مجموعة من قبيلة غيث وأعدمهم بالرشاش.

مدرسة الأيتام (القزازين) … قرب نهاية مدة الاعتقال  أتيحت فرصة للأطفال الأيتام (القزازين) و أخذوا للمدرسة –داخل المعتقل- من ضمنهم عبدالله الجبالي وبنت لعلي بوالمصري و بنتان أخريان لآل امشاضي.

العون من خارج المعتقل … الأقارب ممن لم يستهدفوا بالاحتجاز في المعتقل غير متحمسين لإعلان صلتهم وقرابتهم بأقاربهم المعتقلين. أما من هم داخل المدن أو أجبروا علي ترك مواطنهم في الأرياف و الانضواء داخل المدن، فهم بين بابين تحكم الداخل والخارج بالقفل والمفتاح.  لم يصلنا مد أو عون من دول مسلمين شغلهم حالنا فلا علم لأحد بما يجري لنا. لم نكن نتصور وجود أي مسلم و لا نصراني غيرنا نحن والطليان ولا نسمع شيئا علي الإطلاق عن الآخرين باستثناء الترك.

حرث غوط بصوص … في فترة متأخرة لاحقة  أعطيت فرصة لعدد من المعتقلين للخروج لحرث منطقة شرق بشر في غوط يسمى (بصوص).كنت فيمن خرجوا للحرث و كان معي عوض الرداع. استجلبت السلطات محاريث خشبية وبذار شعير و حوالي عشرين ناقة مدجنة للحرث لعلها من إبل قبيلة المغاربة. كان المكلفين بالحرث من معتقل العقيلة. قضينا في الحرث مدة 15 يوما تقريبا .  عند الحصاد قد يقوم أي من الحصادين – قبيل انتهاء اليوم – بحك بعض سنابل الشعير وصب الحبوب خلسة في قنينة المياه (فياشكا)، حتى إذا ما بلغ خيمتة أفرغ القنينة مما فيها من حبوب قوتا لأهله. ثم أن أحدا أبلغ السلطات بالأمر فوجد الحصادون تفتيشا عند بوابة المعتقل. يؤمر الجميع بإفراغ قنيناتهم مما فيها فينكشف الأمر و يأتي العقاب.

الترحيل مرة أخرى من معتقل العقيله إلي معتقل البريقه … بعد أسر عمر المحتار ضمت السلطات من بقي من معتقلي العقيلة علي من بقي من معتقلي البريقة. كان معنا (أقاربنا عائلة بو عطشانه) علي النصر وله بنتان وليس له ولد, حمد بو عطشانه ومازق والشايب محمد وولده مرعي، محمد مازق طفل يرتدي طربوش، حمد له ولدان الصالحين و أمه شريعه.  عائلة عبدالواحد الساعدي ابنه صالح امحافظي أولاده في المعتقل الساعدي و محمد وابنته ناجية. أم اشناف ولدها امحافظي. عوض الرداع لأن ابنه جبرين عوض امحافظي. ابوبكر كان تحصل علي وظيفة كابو وفي الأصل جاءوا به للمعتقل لأن أخاه عبدالخالق بو عبد الواحد محافظي.

فرص العمل … بعد أن استنفذ الاعتقال و الحشر و الجوع و المرض فعله [في السنة الاولي] توفرت فرص عمل في شق الطرق عمل فيها الناس بالقرعة (علي القبيلة و علي الفرد) . العمل من طلوع الشمس إلي مغيبها (من زرقتا الـ حجتا) اقتلاع و تكسير الحجارة و البالة و الكرويله . بعض النساء يقمن بإعداد الطعام للشغيله و يتناولن أجرا اربعة سفريته في الشهر.  الأجرة للرجال سبعة فرنكات في اليوم. الفرنك خمس سفاريت و السفريته اربعة مليم صولدي اصغير و صولدي كبير وهناك فرنكين مقرونات عليهن فاس موسوليني. كيلو السكر بفرنكين و كيلو الكاكاوية  بفرنكين.  عملت في (ابريزة شهوان) غرب اجدابيا كان معي حسين بو حمد نقتلع و نكسر الحجارة ثم عملنا علي فاقون ينقل التراب و يسير علي قضيب سكة ومعنا من النساء المرحومة جندية (نفاقه). لكن فرصة العمل في البريزات محددة بفترة معينه لأنها توزع علي القبائل بالفرد ثم بالتناوب عيت ارفاد كذا و عيت منصور كذا

طريق بالبو (ابريزة الألف) … بعد أسر عمر المختار، أخرجت السلطات ألف شخص من المعتقلين ليعملوا في شق طريق (طريق بالبو) معهم 100 امرأة (نفاقه).  بعد ذلك بفترة غير قصيرة، طلبوا المشائخ بينهم الجبالي بو علي وقالوا لهم أن الحكومة تريد إرجاعكم إلي مناطقكم ولكن المناطق المسرحة من مرتوبه شرقا اما المنطقة الجبلية فلا.  الشيخ علي بو محمد لم يخرج من الحبس إلا بعد اعتقال عمر المختار. جاءنا في معتقل البريقة و كان معتلا بادي عليه المرض. وعندما كان أقاربه مجتمعين حوله في البيت نادى البراح في طلب المشائخ (في المعتقل) للحضور في بيت باريلا فذهب ابنه المرحوم الجبالي علي و ذهب معه المرحوم عبدالسلام الساعدي.

أبلغهم باريلا بنية الحكومة إخلاء سبيلهم و إعادتهم إلي ديارهم فعلى كل قبيلة أن تبين موطن سكنها وأن تكتب في طلبه شرط أن تكون خارج منطقة الجبل من مرتوبة شرقا.

مواطني الجبل من قبيلة منصور لم يجدوا جوابا. قبيلة بو جازية سجلوا منطقتهم المرغوبة (مرتوبة) و قبيلة ارفاد سجلوا منطقة (التميمي) معهم قبيلة شاهين و سجل باقي القبائل مناطقهم التي يرغبون العودة إليها.

ConcCampsMap

من اعداد محمد مختار الساعدى

 

جاءتني ورقة من الاستاذ محمد الساعدى بعنوان ” المشعثين المغبرين ” .  الورقة من وحى تلك الأيام الرهيبة التي عاشها شعبنا فى برقة و البطنان خلال سنوات الاحتلال الايطالي من 1929 الى 1934 ، حيث جمعت قبائل البدو الرحل فى معسكرات اعتقال حتى لا تمد يد العون لعمر المختار و رفاقه .  مكان الأحداث التي يكتب عنها الكاتب هو عين الغزالة أو نواحيها ، و هذا المكان يقع – ما بين مدينتي درنة و طبرق –  و قد خصصه غراتزيانى للتجميع المبدئي لقبائل العبيدات قبل ترحيلهم الى معسكر العقوبات فى البريقة و العقيلة .  و لقدوم ذكرى ” يوم الحداد ” الذي سيحل علينا بعد عدة أيام ، استأذنت صديقي لنشر ورقته فى مدونتي و سمح لي مشكورا بذلك وفاءا لهؤلاء المشعثين المغبرين ، منهم من ابعدوا و منهم من قضى نحبه على أعواد المشانق أو فى ساحات القتال ،  يوم أن كان للوطن معنى لعله غير معنى هذا اليوم .

كتب محمد الساعدى :

لاح له عند مد البصر صرح أو بناية قديمة تعتلى ربوة ناتئة بعض النتوء .  تمتد الربوة فى طرف من حيث أتى و تنهد فى الطرف الأخر حيث يتجه .  لعله قصد بموقع الصرح هذا أن يشرف على ما بعده من سهوب فيجعل مسافة كبيرة منها تحت مرمى البصر .  كان ظن الصرح القديم ذلك بعضا من خرائب أو صيرة قديمة أو أثر من إحدى قرى الغابرين ، الى أن بدا عند الاقتراب منه أكثر جسامة و أقرب أطرافا .

تصعد الربوة من جهة منخفض يحاذيها حتى بلغ الصرح فوجده مختلفا عما عهده من خرائب و قرى قديمة غابرة ، فليس ثمة بئر يتوسط المكان و لا أثر لكسر الفخار من أولئك الناس الذين كانوا يوما هنا يتعيشون فعلم أن هؤلاء جاءوا ليسودوا و ليس ليتعيشوا .  يقابله عند واجهة المدخل نقش رسم بكسارة الحجر ، نضدت فى صنعة و مهارة حتى يميز الناظر إليها صورة حيوان بين الكلبة و اللبوة ترضع صغارا ليسوا من جنسها بل صغارا آدميين .

فى الساحة الخارجية يتوسط أثر و فتات من خشب لوتد ضخم أو ما بقى من عمود يغور و ينغرس فى الأرض ، ربما كان يوما سارية علم و بيارق .  حاول أن يتخيل ما كان لون البيرق أو العلم الذي رفعته السارية و كم رفرف عليها و أي ريح لامسته و فردته و كم سمعت السارية صامتة من هتاف و نده و عسكر و نعوت و تحقير و تعظيم .  و يوحى المكان من داخله بما كان عليه من جسامة و علو و ما تزال مواضع فيه على قدر من المتانة فلا شك أن القوم يحسنون صنعة البناء .  جاس فى الأرجاء و وجد الجدران القديمة تزيد فى مواضع عن ارتفاع فارس على جواده .  و فى موضع واسع من المكان نتئت من الجدران بقايا حلقات معدنية لعله اصطبل خيل أو حضيرة هجن .

تذكر ما كان سمعه عن أولئك الخيالة و الهجانة و كيف كان الناس يتقون أذاهم و لا يجدون أنفسهم ندا لهم أو لسيدهم و لا حيلة لهم أن يشكوهم لأحد أو يختصمونهم عند قاض عدل من غير جنسهم .  صار يفكر كيف وطن الناس أنفسهم على مهادنتهم و موالاتهم بل و الانضمام إليهم لينالوا قوتهم أو يأمنوا على عيالهم و كيف ألفوا أن يوالوا و يطيعوا و يذعنوا و يغالوا فى طاعتهم و فى إذعانهم .  ثم كيف أن لم يفعلوا ذلك صب عليهم الغضب و  قاسى العذاب فيحرق زرعهم و يهلك ضرعهم و تضبح فيهم الطقطاقة تنثر حبا تسمع الأذن أزيزه و لا تبصره العين إلا فيما يتخطف من الناس .  يصرع الحب من يصيب فينبثق الدم ممن يصرعه كدم الشاة يسيل على الأرض برهة حتى إذا ما أجتمع مع ساخن التراب أو بارده ذهبت رغوته و زبده و تخثر و دكن لونه و حال من الوقت أسود يجف بعدها و يتقشر و تذروه الرياح مع سف التراب .

حضر له بعض أسماء ممن سمع عن منيتهم فخال نفسه يتعرف على أخر مكان وطئوه و أخر مرأى رأوه و أخر نفس شهقوه .  هناك رمى ( سعد ) بالرصاص و جيء به محمولا على غرارة فما وصلوا به بيته إلا و كانت الغرارة قد ارتوت و صار الدم يرشح منها فدفنوا الغرارة معه .  و لعل فى مكان أخر توجد زيتونة ( صالح ) حيث علق على نصفين .  ذكر أسماء أخرى و أماكن أخرى فلعله غير بعيد أردى ( على ) و أردى رفاقه التسعة و بقيوا حيث أردوا و لا تكاد تجد لأحد منهم قبر أو شاهد .  حضره نوح النائحات و نديب الندابات:

هابا عللى منا غابوا   من غيبتهم ما ننهابو

كلمهم عاكس لشناب   و هم ما هابوا       عالزينة تمو يزابو

هابا يا رقاد الناب  رمايا و ادماهم سكلاب

فى ناحية أخرى من المكان وجد أثرا من جذعين متباعدين كابتعاد قوائم باب أو مدخل ذي اتساع ، لكنها كانت فى ركن لا يصح فيه باب أو مدخل ،  تبين عندها ما بقى من درج لمصطبة أو منصة بين القائمين ، فشعر برهبة هذه البقعة أكثر من غيرها و وجد نفسه يخلع نعليه إذ يستحضر ما تحكى عنه العجائز يذكرن كيف كان الرجال يصعدون المكان مكتوفي الابدى ، و كيف يعلقون من رقابهم و يلفظون أخر أنفاسهم فتتدلى أجسادهم تنتفض برهة ثم تهمد بلا حراك .  تذكر ما كان سمعه عن ( الطيف ) ، قال لعله فى مكان كهذا المكان ينقطع به الحبل فيهزئ من شانقيه و يقول قولته الشهيرة ” غير عليك حكومة حتى احبالها بايدات ” .

حسب ما سمع و لم ير عن ذلك الزمن الذي انقضى أن مثل هذا الصرح عشرات كما أن الآلاف قد قضوا ، و سالت دماءهم أو علقوا و لم تسل منهم دماء .  لم يكن ذلك ليجعله يستوحش من المكان بل ظن أنه ما ساقته خطاه مصادفة الى حيث كان فشاء أن يتيمم و يبيت بين المنصة و القوائم و يقضى الليلة فى هذا المكان .

فى نومه خيل إليه أنه يسمع وقع الأقدام و النعال الغليظة و الرطانة و الصياح و الزجر و النهى و الأوامر و التوبيخ و نابي الشتم و التصغير و القهقهات .  و خاله يرى لمعان الأحذية الطويلة و ألوان و بريق النياشين و يعجب لاختلاف هيئة لابسيها و ملاحة بشرتهم و سود قمصانهم و النظرة التي فى عيونهم و كثير طعامهم و قناني خمرهم و نهمهم و إقبالهم عليه و ولعهم به .  ثم يعجب كيف لائ من المشعثين المغبرين الجائعين أن يهزأ من كل هذا و هو يساق للموت و يحز الحبل عنقه فينتفض كما الذبيحة و كيف تبقى الكلمات طويلا بعد أن يكون البدن قد همد أو لم يعد ثمة بدن .

عندما أفاق فى الصباح خرج الى حيث يوجد نقش اللبوة و صغارها فأعمل فيه تهشيما و تحطيما حتى أتى عليه .

 

إضافة و تصحيح … بتاريخ 22/10/2009

بعد نشر النص اكتشفت بعض النواقص التي كان من الواجب إدراجها بالتدوينة وفاء لذكرى  هؤلاء ” المشعثين المغبرين ” و جهادهم النبيل ، لذا فاننى ألحقها فى هذه الإضافة :

 1 – ما ورد فى المقدمة من أن موقع عين الغزالة خصص لتجميع قبائل العبيدات  كان  صحيحا ، و لكن من الصحيح أيضا أنه كان لتجميع قبائل المنفة و القطعان و بعض أولاد حمد الطلوح ، و هم من كانوا يقطنون الإقليم المسمى مرمريكا ( شرق درنة الى الحدود المصرية ) .

2 – وردنتى الأسماء التالية من الاستاذ محمد مختار الساعدى من بين من أعدموا بمعتقل عين الغزالة : سعد الجبالى الرفادى ، محمود بلقاسم الطلحى و مازق بالقاسم الطلحى ، سليمان الشاعت القرباعى ، صالح الوادى الطلحى ، عبد الله محمد الحمرى ، عبد الله الواحدى ، محمود سعد محمود القطعانى ، بوبكر البايد القطعانى ، عبد القادر المسماري ، بو قعيدة الفاخرى ، صالح حمد لربد ، و ذلك إضافة الى الطيف بو امصورة الغيثى مع أقاربه حمد الطيف و الهونى الطيف و عبد ربه محمد و السنوسي محمد ، فرحمة الله عليهم جميعا.

” عادة ما تبدأ الأشياء الجميلة والرائعة بفكرة بسيطة ، وحلم يبدو أنه صعب التحقق في بادي الأمر ، ولكن سرعان ما تتحول هذه الأحلام والأفكار إذا ما وُجِدَ من يحيلها إلى حقائق على الأرض ، إلى هاجس يومي وفيض من العطاء والبهجة والتفاعل الحميم .فمن منا لا يهفو إلى إغفاءة أو جلسة تأمل في ظل نخلة وارفة , هناك في قلب السكون الكوني الشامل ، ومن منا لا يتمنى أن يستعيد مغامرات الشباب المبكر ، ومن هذا الذي لا يتمنى التعرف على الواحات اليانعة النظرة المنبثة بين أحضان الصحراء التي تحيط بها الكثبان الرملية الساحرة والجبال الشامخة حيث الرمال من ذهب والماء سر الحياة . هذا هو مهرجان الخريف ، كان حلم يراود الحالمين والعاشقين من الفنانين والأدباء وعشاق الأرض من أبناء وفتيات ورجال ونساء وشيوخ وعجائز مدينة هون ، حتى تحول إلى كرنفال بهيج يقام خريف كل عام . “

 

هكذا يقدم مهرجان خريف هون على صفحة موقع “ مهرجان هون السياحي الدولي “، و يشمل مهرجان التألق و الإبداع السنوي لمدينة هون المناشط التالية :

* عروض الفرق الصوفية .

* عروض لأغاني الأطفال .

* عروض للرقصات الشعبية والأهازيج التي تقام في المواسم .

* عروض لفرق الفنون الشعبية المشاركة .

* عروض للأزياء التقليدية .

بالإضافة إلى معارض تبرز :

* التمور ومنتجات النخلة .

* الحرف والصناعات التقليدية .

* المقتنيات الشعبية .

* الحلي والملابس الشعبية .

* المأكولات الشعبية .

* الأعشاب الطبية .

* الفنون التشكيلية .

* الخط العربي والنحت .

* الصور الشمسية .

* معرض الكتاب .

بينما تقوم المدينة القديمة بأقواسها المتساندة بإدخالك إلى ذاكرة الماضي ، و تشاهد  تجسيد الحياة التقليدية اليومية و عروض لألعاب الأطفال و لوحات العرس الشعبي ، و في المساء تشاهد عروض قوافل النقل الصحراوي و غيرها .

 

هي تجربة لا تنسى ، و حدث شعبي مميز وسط طبيعة صحراوية خلابة .

الصورة منقولة من موقع ” مهرجان هون السياحي الدولي “

houn girl

هل اللغة العربية ليست قادرة على مواكبة احتياجات عصر التقنية و المعلومات و الحاسوب الالكتروني؟ هل اللغة العربية غير قادرة على التطور و ملاحقة العصر الذي نعيشه و لا نتقدم معه بنفس درجة التسارع؟  هل اللغة العربية لغة آداب خلقت للشعر و ارث المعلقات فقط ، و لا تتناسب مع متطلبات العلوم الحديثة و التكنولوجيا؟ هل اللغة العربية لغة دينية فقط لا تستطيع أن تنافس في مجالات الحياة المختلفة خارج التعبير عن متطلبات الحاجة الروحية ما بين الإنسان و خالقه؟ هل اللغة العربية لغة عاجزة لا تستطيع أن تكون لغة تعبيرية لحرية الإنسان المطلقة و حاجاته الاجتماعية؟ هل اللغة فقط هي التي تجعل الناس أحرارا؟ هل اللغة العربية غير ملائمة للتعبير عن لغة المصفوفات الالكترونية و لغة البرمجة، و مواكبة الانبهارات العلمية التي تحدث يوميا في ثورة الاتصالات؟ من ناحية أخرى هل ، نحن العرب ، عاجزين عن اختراع شي جديد أو تطوير شي موجود بسبب قصور لغتنا العربية؟

ترك الأتراك استعمال الحروف العربية بعد ثورة مصطفى كمال اللادينية و تركهم الخلافة الإسلامية ، و استعملوا الحروف اللاتينية للغتهم الطورانية ، فهل ساهم هذا في تقدم تركيا و اندماجها في أوروبا الصناعية و المتفوقة تكنولوجيا؟ و من ناحية أخرى مازال الإيرانيون و الباكستانيون يستعملون الحروف العربية في لغتيهما الفارسية و الأردية ، و لم يعرقل هذا تقدمهما الصناعي و العلمي ، فالباكستان دولة نووية ، و إيران مقبلة على أن تكون دولة نووية ما لم ينجح أوباما و ناتنياهو في إرجاعها للعصر الحجري! هل اللغة العربية أكثر عجزا عن متابعة التقدم العلمي و الصناعي من اللغتين اليابانية و الصينية ؟ هل العيب فينا أم في اللغة التي هي أساسا مجرد أداة للتعبير فقط؟

يتوارث الناس اللغة فيما ما يتوارثون من ثقافة و عادات و تقاليد بطريقة آلية. و يضيفون إليها على قدر حيويتهم و تقدمهم الاجتماعي و الاخلاقى و الصناعي ، وفى بقية مجالات الحياة . و من هنا تبدو اللغة كأنها كائن متغير و في نمو مستمر ، تنبع قوته من حيوية متكلميها و قبولهم لمتغيرات المحيط و تكيفهم معه أو العكس ، إذن أين القصور و الخلل ؟  هل القصور فينا ألبسناه على اللغة ، أم لغتنا هي المانع لتقدمنا ، ان غيرناها تغير حالنا من حال لحال؟  أسئلة كثيرة تتابع ، و أصدقكم القول فان الجواب صعب و متشعب و طويل !

ألقيت هذه القصيدة من قبل الشاعر الأمير عبد الرحمن بن مساعد فى أمسية بالرياض سنة 2003  ، و بعد ست سنوات مازال العراق يعيش وضعه المأساوي .

 

هُنَا العراقْ ..في كل ركنٍ ..حُرةٌّ تُسْبَى ..وطفلٌ مُقعَدٌ ..ودمٌ يُراق ْ

هُنَا العراقْ ..في كل بيتٍ ..والدٌ يبكي ..وأمٌّ تشتكي ..ضَيْمَ الفراقْ

هُنَا العراقْ ..هُنَا الأرضُ التّي ..أعداءُها اغْتَصَبوا ..وقبلَهُمُ الرفاقْ

هُنَا الخيرُ العميمُ .. المستديم ُ

هُنَا الشعبُ الفقيرُ .. المستجيرُ

هُنَا الحضارةُ .. والمنارةُ ..والمهارةُ

والتطرُّفُ في الولاءِ ..وفي النفاقْ

هُنَا الطغاةُ على مَدى الأيام سادوا

هُنَا الغزاة على مَدى التاريخ بادوا

اليوم عادوا .. عانِقوهم ..بشِّـروهم

هاهنا سيُقتَلون .. ويُخْنقون .. من العِناق

هُنَا العراقْ ..هُنَا الأمطارُ .. والأنهارُ ..والأشعارُ

هُنَا الأفكارُ .. والأذكارُ .. والأقمار

هُنَا الكرامةُ .. والدناءة .. والمودةُ ..والتنافرُ ..والشقاقْ

هُنَا العراق ..هُنَا الغناءْ .. هُنَا البكاءْ .. وكربلاءْ

هُنَا الأحباب .. هُنَا زريابْ ..هُنَا السيّابْ

هُنَا الحجَّاج .. هُنَا هارون ..ما أدراكَ ما هارون

هُنَا المأمون .. هُنَا النوّاسُ .. من غيٍّ أَفَاقْ !

هُنَا العراقْ ..هُنَا البعث ُ .. هُنَا العَبثُ

هُنَا الأصنامْ .. هُنَا الأزلامْ

هُنَا صـدّامْ .. هُنَا الأقدامْ .. تدوسُ تِمثَال الزّعيمِ ..بِلا اتفّــاقْ

هُنَا العراقْ ..هُنَا بداياتُ الحضاراتِ الأبيّة

هُنَا نهاياتُ الشعاراتِ الغبيّة

هُنَا الثرواتُ تنسى الأغلبيّة

هُنَا الضَّحِكَاتُ من شرَّ البليّة

هُنَا الجيوشُ لأيِّ معركةٍ تُسَـاق

هُنَا جثمانُ أمتَنا المجيدة ..هُنَا دُفِنت مآثُرنا التليدة

هُنَا أمجادُ أمريكا الجديدة ..هُنَا صار الخليجُ على الحديدة

هُنَا ذابَت بلادٌ ..ذات يومٍ ..أسمها كـان العـــراقْ !

 كتب عبد الله المهيرى ، و هو مدون عربي يقيم بعاصمة الإمارات أبو ظبي ، تدوينه عنونها ” ثور الاستبداد ” عن بداية العام الدراسي الجديد و بالذات ظاهرة الاستبداد في المرحلة الابتدائية الأولى و الثانية و ممارسة القسوة .

و استوقفني بالذات قوله: اقتباس … ” إن كنت أحد هؤلاء الذين يذهبون إلى المدرسة في أول يوم فلا تنخدع بالمظاهر، خلف الملابس الجديدة هناك أطفال تعرضوا للعنف في المنزل وسينقلون هذا العنف إلى الفصل، هناك من لم يتلقى تربية جيدة وسينقلون عدم تربيتهم إلى المدرسة، هناك طلاب أبرياء وضعفاء سيواجهون العنف وعدم التربية وسيتأثرون كثيراً بما يواجهونه، فالعنف قد يدمر شخصياتهم ويزرع كراهية المدرسة وكراهية التعليم وربما كراهية الناس، وعدم التربية قد يتعلمون منها الكلام الساقط وربما بعض الأفكار الساقطة التي قد تؤدي لأفعال مشينة. ” انتهى الاقتباس .  و هذا يقودنا إلى ضرورة أن تكون المدرسة وسيلة تربية و ليست تعليم فقط ، و ضرورة أن يكون المدرسون مربين أيضا و ليس معلمين فقط ، حتى تتكامل وظيفة المدرسة في التربية و التعليم .

و للأسف فان ما نراه في مدارسنا الابتدائية و من ملاحظة أوقات خروج التلاميذ من المدارس أن هناك عنفا غير عادى في سلوكهم نحو بعضهم بعضا و نحو بيئتهم المحيطة بهم من عدم اهتمام بالنظافة و رمى الأوساخ بالشوارع و قطع الأشجار غير المحمية و التعدي على السيارات الواقفة في الطريق ، و بدون شك فان ما  نراه على الطريق ما هو إلا امتداد لتصرف التلاميذ داخل المدرسة .  و طبقا للإحصائيات الرسمية فان هناك مليون و نصف مليون تلميذ و تلميذة بمراحل التعليم الاساسى من الابتدائي و حتى نهاية الثانوي ، و هؤلاء يمثلون ربع السكان في ليبيا و هم أجيال المستقبل ، و تبقى المرحلة الابتدائية هي المرحلة الأهم ففيها سيتم التكوين الاساسى للشخصية بايجابياتها و سلبياتها .  و يقابل السلوكيات العدوانية للكثير من التلاميذ تدنى مستوى المربين و عدم الاهتمام بتكوينهم المهني بما يقابل مسؤولياتهم ، و الإجحاف بمرتباتهم مما يضطرهم للبحث عن عمل أخر بالإضافة لعملهم في التعليم حتى يقابلوا التزاماتهم الحياتية .

و بدون شك فان التربية تبدأ في البيت و لكن دور المدرسة الابتدائية يجب أن يرجع كما كان قويا و مؤثرا ، و يجب أن يكون المدرسون مؤهلين تماما للقيام بواجباتهم ، و يجب أن تكون مرتباتهم كافية للإيفاء بالتزاماتهم و ألا يشعروا بالغبن ، و ان لم يتوفر هذا فلا أدرى أي مستقبل ينتظرنا .  و إذا كانت دول العالم المتقدم تنظر إلى موضوع التعليم كإحدى الأولويات على الأجندة الوطنية ، و تغدق الأموال على البحث العلمي كمقياس لتقدمها ، و إذا كان أحد مسئولي التعليم عندنا يفخر بخصخصة التعليم بقوله “تم هذا العام تحويل (129) مؤسسة تعليمية عامة إلى تعليم تشاركي في مختلف الشعبيات” …. فان وجود مستقبل لهذا الوطن مشكوك فيه أصلا .

 

المدارس الابتدائية

قصيدة كيف ؟  للشاعر السعودى محمد العلى …

كيف الفرار من أنياب التاريخ ؟
كيف الخروج بدون جراح من هذه الكهوف الرابضة فى الدماء ؟
كيف ينضج البحر فيغطى هذه النخيل العارية ،
و البشر المريض بالامال الماضية ؟
كيف القراءة من هذه الكتب المترامية الاطراف بلا جدوى ؟
كيف الفرار من الشعر هذا الذى أصبح لصا حجم الليل ؟
كيف الفرار من هذه الهوية
التى لاتدرى على أى موجة تبنى وكرها ؟
كيف الفرار من هذا الحب السادر مثل سحاب أعمى ؟
كل شى جميل فر الا أنت بقيت تسأل : كيف الفرار ؟

 

الاطلال ثانية لمحمد العلى

كدت أجعل “أمة الأطلال” عنوانا لهذه الحلقة غير أن قلبي تمرد علي وراح يجلدني بأكثر من سوط، بل إنه حاول الفرار من داخلي قائلا: ان إنسانا يصف أمته بأنها “أمة أطلال” لا يستحق أن يكون له قلب، وبعد أن ركضت وراءه متعهدا له بأن أحاول تحسين الفاظي وتهذيب لغتي وأخلاقي رجع إلى أضلعي على مضض.

أنت لا تحتاج إلى أن أشرح لك معنى الطلل في “ديوان العرب” أي الشعر كله قائم على الطلل، ولا أريد أن أكون مثل أبي نواس مزدريا هاجيا للأطلال، فأنا على قناعة كاملة بأن الطلل رمز ثقافي من أجمل الرموز المعبرة عن الحنين والوفاء، إنه شجرة الذاكرة ذات الأغصان المثمرة بالحب وحرارة الماضي الخصيب، ولكني أقول على الفور: إن ذلك كان في الزمن الماضي السحيق، أما أن يبقى الطلل شاخصا في ثقافتنا حتى هذه اللحظة، فهذا ما أقف ضده وما سقت هذه الحلقة من أجله.

“إذا أفلس التاجر عاد إلى دفاتره القديمة”.هذا المثل بواقعيته وقسوته ينطبق علينا تماما، فنحن حين أفلسنا من الطاقة الإبداعية ومن مجاراة الأمم الصاعدة.. ترى ماذا فعلنا؟ لم نتحفز، لم ننقم على أنفسنا. لم نحاول التغيير، بل ذهبنا إلى التاريخ، إلى التراث، وأقمنا منه طللا كبيرا وجلسنا تحته نبكي ما نضب من الأنهر التي فجرها أجدادنا بجهدهم وعرقهم ننتظر مطرا من سراب.والأكثر إيلاما اننا لانزال مقتنعين بأن الأنهار سوف تتفجر من حولنا، دون بذل أي جهد سوى الوقوف تحت ذلك الطلل الكبير ننتظر منه ان يصبح قصورا نسكن فيها ونتجول في حدائقها الغناء، نقطف ما نريد من الثمار ونعيش في “ألف ليلة وليلة”.

و هل إن كان حاضرنا تعيسا نفوز بكون ماضينا سعيدا؟

أما الطلل الثاني الذي أقمناه بمحض إرادتنا فهو عصرنا الحاضر: إن مفكرينا وكتابنا ووعاظنا ومسئولينا، منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن منخرطون في البكاء تحت هذا الطلل: لماذا تأخرنا وتقدم الآخرون؟إننا لابد أن نغير، لابد أن ننهض؟ لابد، لابد.. ونحن “مكانك سر”.

وابك مثل النساء ملكا عقيما

لم تحافظ عليه مثل الرجال

هل هناك طلل ثالث؟

“يا كيف” كما يقول البدو

.الطلل الثالث – رزقك الله سعة الخيال- لم نقمه للبكاء، بل للضحك “طلل الضحك” هذا هو الغرب بكل دولة وشعوبه وتاريخه، فقد أقمنا ورحنا نرجمه بكل الصفات الخارجة عن السلوك البشري السوي: فهو فاسد وبلا أخلاق وبلا ضمير، وهو كان يعيش في الكهوف والغابات، ولا شغل له الا التآمر علينا ومحو قيمنا الأخلاقية والسلوكية وسلب “خصوصيتنا” وأصالتنا الشماء وبعد أن نرجمه بكل هذه الصفات نروح نضحك وننام ملء جفوننا مرتاحين، وكأنه فعلا خلا من الضمير والأخلاق وكل صفة بشرية بيضاء غير سائلين أنفسنا من أين جاء العلم والفن والإبداع والثراء والتقدم لهذا المجتمع الفاسد؟

إن الغرب نفسه لا ينكر صفاته السلبية، بل من الطاقة الحيوية التي فيه هو الذي يعددها ويحاول وضع الحلول لها.كما يحاول الارتقاء الدائم بالصفات الإيجابية التي فيه، ولن يجدينا نفعا أن نضحك عليه ونسخر منه.

هل هناك طلل رابع؟

نعم هناك ولكن

إلى متى نبقى مع الأطلال؟

سحابة التصنيفات

الارشيف

My Flickr

DSC01462

DSC01461

DSC01460

DSC01456

More Photos

إحصائيات المدونة

  • 66,144 hits